فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 238

عن أن يكون له شريك في تدبير شيء ما فتعالى الله جل وعز عن الشركاء، الرحيم الرحمن الذي عمت نعمه العوالم كلها

[حاشية الدسوقي]

التصرف الذي هو الملك ظرفٌ له، ولا يخفى ما فيه من التجوز وفي بعض النسخ عز ملكه بإسقاط في على أنَّ ملكه فاعل عز، وكل من النسختين صحيح.

(قوله: عن أن يكون) متعلق بعز لتضمنه معنى تنزه أو بحال محذوفة أي حالة كونه منزها الخ (قوله: في تدبير شيء ما) التدبير إن أضيف إلى العبد كان معناه النظر في عواقب الأمور وإن أضيف إلى الله كما هنا كان معناه إيجاد الشيء على وجه محكم متقن، فإن قلت كلامه يوهم أنه لم يتنزه عن أن يكون له شريك في إيجاد شيء لا إحكام فيه ولا إتقان مع أنه تنزه عنه أيضا فكان الأولى حذف قوله في تدبير شيء ما، وأجيب بأنه يرتكب التجريد في التدبير بأن يراد منه مطلق الإيجاد كان على وجه محكم أم لا وإن كان فعل الله لا يكون إلا مُحكمًا، أو يجاب بان الشريك لو وجد لا يكون إلا مدبرا كما يعلم من برهان الوحدانية، فلا يكون فعله إلا محكما متقنا، وحينئذ فعلى تقدير لو وجد الشريك فلا يتأتى اشترا كهما في إيجاد شيء لا أحكام فيه ولا إتقان لأن كلا منهما مدبر فلا إيهام في كلامه تأمل، وبهذا ظهر لك أن قوله عز الخ نفي للشريك في الأفعال (قوله: فتعالى الله) أي تنزه وارتفع عن الشركاء، إن قيل لا حاجة لهذا مع ما قبله قلت ما سبق نفي للشريك في الأفعال وهذا نفي للشريك في الذات والصفات وأُتِيَ بهذا مفرعا له بالفاء على ما قبله، وهو قوله الذي عز الخ إشارة إلى أنه يلزم من نفى الشريك في الأفعال نفى الشريك في الذات والصفات؛ لأنه لو وجد له شريك في الذات والصفات لشاركه في الأفعال، والغرض نفى الشريك في الأفعال وبهذا ظهر لك سر الإتيان بالفاء المؤذنة بتفرع ما بعدها على ما قبلها.

(قوله: الرحيم الرحمن) سلك فيه طريق الترقي، والأكثر طريق التدلي كما في البسملة وإنما كان صنيعه هنا من الترقي لأن الرحيم معناه المنعم بدقائق النعم، والرحمن معناه المنعم بجلائل النعم وقد سبق أنهما مأخوذان من الرحمة، وهي رقة القلب المقتضية لإرادة التفضل والإحسان، وهي بهذا المعنى محالة في حق الله فتعتبر في حقه باعتبار مسببها القريب وهو إرادة الإحسان أو البعيد وهو الإحسان فهي على الأول صفة ذات، وعلى الثاني صفة فعل، فمعنى الرحيم الرحمن على الأول مريد الإنعام، وعلى الثاني منعم على جهة المجاز المرسل التبعي حيث أطلق اسم السبب وهو الرحمة وأريد المسبب الذي هو إرادة الإنعام أو نفس الإنعام، واشتق من الرحمة بهذا المعنى رحمن رحيم بمعنى مريد الإنعام أو منعم فقد جرى التجوز في المشتق تبعا لجريانه في أصله وهو المصدر، ولك جعل الرحمن الرحيم من قبيل الاستعارة التمثيلية بناء على أنه لا يشترط فيها التركيب كما مر ذلك.

(قوله: الذي عمت) أي شملت فهو من العموم بمعنى الشمول لا بالمعنى المصطلح عليه وهو استغراق اللفظ المعنى الصالح له من غير حصر.

(قوله: نعمه) جمع نعمة بمعنى المنعم به والمراد به هنا نعمة الوجود، والوجود من حيث تعلقه بالعوالم كلي، وجزئياته وجود زيد و وجود عمرو ووجود بكر مثلا وحينئذ فالجمع باعتبار تلك الجزئيات، ويصح أن يراد بالنعم الإنعامات المتعلقة بوجود العوالم كالإنعام بوجود زيد والإنعام بوجود عمرو وهكذا، فالجمع ظاهر، قيل الأولى أن يعبر بالرحمة بدل النعم بأن يقول الذي عمت رحمته العوالم لما اشتهر من أن الرحمة تعم المؤمن والكافر، قال تعالى ورحمتي وسعت كل شيء، والنعمة خاصة بالمؤمن ولا تعم الكافر إذ شرطها سلامة العاقبة كما ذهب إليه الاشعري، ومن ثم قيل لا نعمة لله على كافر إلا أن يقال أراد بالنعمة الرحمة على سبيل المجاز بقرينة الرحيم الرحمن، وذكر بعضهم أنه لا يشترط في النعمة سلامة العاقبة بل كل ملائم للطبع فهو نعمة سواء كانت تحمد عاقبته أوْ لا، وحينئذ فلا تَجَوُّز، إذ الرحمة والنعمة على هذا مترادفان.

(قوله: العوالم) بكسر اللام جمع عالم بفتحها وهو اسم لمجموع ما سوى الله وصفاته، إن قلت إذا كان العالم اسما لما ذكر كيف يجمع مع أنه لم يوجد له فرد ثان قلت أجاب بعضهم بأن المصنف استعمل العوالم في الإفراد مجازا لا بقرينة مقام الثناء، هذا والذي حققه بعضهم أن العوالم اسم للقدر المشترك بين كل جنس وكل

نوع وكل صنف فيقال عالم الحيوان وعالم الإنس وعالم الجن وعالم البربر أو المغاربة والقدر المشترك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت