بالكلام على المحمود بجميل صفاته سواء كانت من باب الإحسان
[حاشية الدسوقي]
وأن الثناء يستعمل في الشر، والحمد لا يكون إلا في الخير؛ وحينئذ فالتعريف غير مانع، وأجيب عن الثاني بأن الثناء خاص بالخير ولا يستعمل في الشر إلا مشاكلة، وأجيب عن الأول بمنع أخذه مما ذكر بل هو مأخوذ من أثنيت بمعنى أتيت بما يدل على الاتصاف بالجميل فهو اسم مصدر له، ومصدره الإثناء كالإكرام مصدر أكرم، فالثناء حينئذ الإتيان بما يدل على اتصاف المحمود بالصفات الجميلة كان ذلك الإتيان بالقلب أو باللسان أو بالجوارح.
(قوله: بالكلام) الباء للملابسة أي الملتبس بالكلام من التباس الشيء بآلته أو أنها للآلة (قوله: على المحمود) متعلق بالثناء، إن قيل في أخذه في تعريف الحمد دور وذلك لأن معرفة الحمد متوقفة على معرفة تعريفه ومن جملة أجزائه المحمود فتكون معرفة الحمد متوقفة على معرفة المحمود والحال أن معرفة المحمود متوفقة على معرفة الحمد لأن معرفة المشتق متوقفة على معرفة المشتق منه فيكون كل من الحمد والمحمود متوقفا معرفته على معرفة الآخر وهذا دور؟ فالجواب أن المحمود معناه ذات تعلق بها الحمد فيجرد عن الوصف ويراد منه الذات فقط أو أن توقُّفَ الحمد على المحمود من جهة التصور وتوقُّف المحمود على الحمد من جهة الاشتقاق، فاختلفت جهة التوقف، ولابد في الدور من اتحادها وفيه أن الاشتقاق يتوقف على معرفة المعنى تأمل.
(قوله: بجميل صفاته) من إضافة الصفة الموصوف أي بصفاته الجملية، والباء سببية متعلقة بالثناء أو بمعنى على التعليلية فهو إشارة للمحمود عليه كما سبق، والمعنى الثناء على المحمود بالكلام لأجل صفاته الجميلة، وما ذكره السكتاني هنا من احتمال كون الباء للتعدية متعلقة بالكلام لأنه اسم مصدر بمعنى التكلم أو بالثناء على أنه بدل اشتمال من الكلام وخلو بدل الاشتمال من ضمير المبدل منه جائز إذ اشتماله عليه أولوي فقط، أو متعلقة بحالٍ محذوفةٍ من الثناء أي حالة كونه كائنا بجميل صفاته، فهو غير مناسب لقول الشارح لأن الحمد يتعلق بالكمال سواء كان إحسانا أو غيره، والمناسب له ما ذكرناه. إن قيل قضية قوله صفاته أنه لو أثنى عليه بسبب صفة واحدة لا يقال له حمد مع أنه يقال له حمد أجيب بأن الإضافة في صفاته للجنس الصادق بصفة واحدة، والمراد بالجميل ما كان جميلا بحسب اعتقاد الحامد والمحمود وإن لم يكون جميلا بحسب الواقع فيشمل الثناء بسبب نهب الأموال أو بحسب اعتقاد أحدهما دون الآخر إذا كان المقام مقام تعظيم وإلا فهو ذم، وكان عليه أن يقيد الصفات بالاختيارية ليخرج المدح الذي هو الثناء على المحمود لأجل صفة غير اختيارية كالثناء على زيد لأجل صباحة وجهه وإلا فكلامه صادق بالمدح فيكون التعريف غير مانع إلا أن يقال إنه مبنى على طريقة صاحب الكشاف من أن الحمد والمدح أخوان أي مترادفان، وبعد هذا كله فيقال إن تعريفه لا يصدق على الحمد على ذات الله أي إذا كان المحمود عليه الذات العلية وحينئذ فتعريفه غير جامع. (قوله: سواء كانت) أي تلك الصفات الجميلة الباعثة على الثناء وسواء خبر مقدم والفعل بعده في تأويل مصدر مبتدأ وإن لم يكن هنا حرف مصدري لأن وقوع الفعل بعد لفظ التسوية يقوم مقام الحرف المصدري، أو في كلامه بمعنى الواو على ما جوزه الكوفيون لأن التسوية لا تكون إلا بين متعدد و"أو"لأحد المتعدد، والمعنى كون تلك الصفات الجميلة من باب الإحسان أو من باب الكمال سواء أي سيان في صحة صدق الحمد على الثناء الواقع في مقابلتها، والجملة إما مستأنفة أو حال بلا واو، ويصح أن يجعل سواء خبر مبتدأ محذوف أي الأمران سواء وهذه الجملة الاسمية دالة على جواب شرط مقدر مفهوم من المعنى أي إن كانت من باب الإحسان أو من باب الكمال فالأمران سواء وعلى هذا فلا يحتاج لجعل أو بمعنى الواو.
(قوله: من باب الإحسان) هو المعبر عنه في بعض العبارات بالفواضل وهي المزايا المتعدية، وهي التي يتوقف تعقلها على تعدي أثرها للغير كالكرم والإنعام والتعليم، وإضافة باب للإحسان