فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 238

الوجوب والاستحالة والجواز فالواجب مالا يتصور في العقل عدمه

عنها، وحصر الحكم في تلك الثلاثة من حصر الشيء في أقسامِ صفةٍ متعلقه وهو المحكوم به وعليه والنسبة، وذلك لأن كلا من المحكوم به والمحكوم عليه والنسبة تارة يتصف بالوجوب كما في قولك الله قادر، وتارة يتصف بالاستحالة كما قولك شريك الله موجود، وتارة يتصف بالجواز كما في قولك الممكن موجود، ومعنى عدم خروج الحكم عن تلك الأقسام الثلاثة أن متعلقه وهو المحكوم به وعليه والنسبة لا بد من اتصافه في الواقع بواحد من تلك الثلاثة، هذا كله إن رجعنا ضمير"ينحصر"للحكم بالمعنى السابق بدون تقدير، فإن رجعناه له وقدرنا في الكلام مضافين بأن قلنا ينحصر أي الحكم أي صفة متعلقه في ثلاثة أقسام كان الانحصار من انحصار الكلي في جزئياته لأن المنحصر حينئذ صفة المتعلق وهي أمر كلي تحتها تلك الأقسام الثلاثة، والحاصل أن الوجوب والاستحالة والجواز إنما هي أقسام لصفة متعلق الحكم وهو المحكوم به والنسبة والمحكوم عليه لا أنها أقسام للحكم؛ لأن الحكم بالمعنى المذكور لا يتصف إلا بالجواز، وكذا يكون الحصر من انحصار الكلي في جزئياته إذا قدرنا مضافا في محلين أي وينحصر أي الحكم أي متعلقه وهو المحكوم به في ثلاثة أقسام ذي الوجوب وذي الاستحالة وذي الجواز، لأن ما يحكم به العقل إما أن يقبل الثبوت والانتفاء جميعا أو يقبل الثبوت فقط أو الانتفاء فقط، فالأول الجائز والثاني الواجب والثالث المستحيل.

(قوله: الوجوب) قدمه لشرفة وثنى بالاستحالة لأنها ضد الوجوب وضد الشيء أقرب خطورا بالبال عند ذكره، وأخر الجواز عنهما لتعين تأخيره حيث قدم ما قبله عليه ولأنه كالمركب وهما كالبسيط والبسيط مقدم على المركب طبعا فكذا ما كان بمنزلته ففعل ما ترى ليوافق الوضع الطبع.

(قوله: فالواجب) قال المصنف في بعض كتبه إنما تعرضت في أصل العقيدة لشرح الواجب والمستحيل والجائز دون الوجوب والاستحالة والجواز لاستلزام تصورها تصور مصادرها، لأن المشتق أخص من مصدره الذي اشتق منه، ومعرفة الأخص تستلزم معرفة الأعم دون العكس.

(قوله: ما الخ) المناسب لما مر من أن الوجوب وأخويه صفات للمحكوم به والنسبة والمحكوم عليه أنْ يُفَسر"ما"بشيء ويجعل مصدوقه هذه الثلاثة. (قوله: لا يتصور) بفتح حرف المضارعة مبنيا للفاعل أي لا يمكن ولا يتأتى، وبضمها مبنيا للمفعول والمراد بالتصور حينئذ التصور الذي معه حكم، وهو التصديق أي ما لا يصدق العقل بعدمه، فالتصور كما يطلق على إدراك المفرد يطلق على الإدراك المصاحب للحكم وهو التصديق وهو المراد هنا، والقرينة على أن مراده بالتصور التصديق قوله في الجائز ما يصح الخ إذ الصحة ترجع إلى التصديق كذا قيل، وفيه أنه يشترط في القرينة اتصالها بالمجاز وهي هنا ليست كذلك إذ كل تعريف منفصل عن الآخر؛ وحينئذ فلا يصح أن يكون ما في واحد منها قرينة على ما في الآخر والأحسن أن يقال إن القرينة معنوية وهي ما علم أن الواجب يتصور عدمه تصورًا ساذجًا، وحيث كان المراد بالتصور في كلام المصنف التصديق فلا يقال إن الواجب قد يتصور عدمه تصورا ساذجا، والحاصل أن الواجب وإن تصور العقل عدمه لا يحكم ولا يصدق العقل بذلك العدم أي لا يدركه ادرا كا جازمًا مطابقًا للواقع؛ لأن الواقع ونفس الأمر انتفاء عدمه.

(قوله: في العقل) الأولى حذفه لأن الواجب لا يمكن ولا يتأتى عدمه وجد عقل أم لا، وهذا الاعتراض إنما يتوجه على المصنف على قراءة يَتصور على البناء للفاعل.

(قوله: عدمه) أي خارجا وأما ذهنا فقد يصدق بعدمه وحينئذ فقوله عدمه أي عدم أفراده لا الأمر الكلي الذي فسرت"ما"به لأن الأمر الكلي لا وجود له إلا في الذهن، وما وجد في الذهن ممكن، والممكن قد يصدق العقل بعدمه.

إن قيل: هذا التعريف لا يشمل صفات السلوب لأن العقل يصدق بأنها أمور عدمية مع أنها واجبةٌ فالجواب أن المراد بعدمه انتفاؤه بحيث يصدق بنقيضه لا أن المراد بعدمه أنه أمر عدمي، وحينئذ فتدخل صفات السلوب في التعريف لأن العقل وإن صدق بأنها أمور عدمية لا يصدق بانتفائها بحيث يثبت نقيضها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت