وطيب تحية وإعظام.
بيان الحكم الشرعي وتقسيمه
(ص) اعلم أن الحكم العقلي ينحصر في ثلاثة اقسام
[حاشية الدسوقي]
على ما عنده من الأمان أي تأمين مما يخافه على أمته أو على نفسه إذ المرء كلما اشتد قربه من الله اشتد خوفه منه فقد قال عليه الصلاة والسلام"إني لأخوفكم من الله".
(قوله: وطيب تحية) أي وتحية طيبة والمراد بالتحية الطيبة في حقه تعالى أن يخاطبه بكلامه القديم خطابا دالا على رفعة مقامه والاعتناء به كما يحيى بعضنا بعضًا، وطيب بالجر عطف على تأمين أي وزيادة تحية طيبة. (قوله: وإعظام) أي تعظيم وهو معطوف على تأمين أي وزيادة إعظام، وإعظام مصدر أعظم المرادف لعظم، واعلم أن زيادة التأمين وزيادة الاعظام لازمان لزيادة طيب التحية.
(قوله: اعلم) المخاطب به من يتأتى منه العلم وإن كان أصل الخطاب أن يكون لميعن فاستعمال ضمير الخطاب فيما ذكر مجاز ولا يشكل بأن ذلك يجعل الضمير الذي هو أعرف المعارف بعد لفظ الجلالة شائعًا، لأن ذلك أمر عارض بحسب الاستعمال لا بحسب الوضع، والعلم والمعرفة مترادفان بمعنى واحد على التحقيق وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع عن دليل، فمعنى اعلم اعتقد ما قبلته لك من انحصار الحكم العقلي في الأقسام الثلاثة اعتقادا جازمًا، فإن قيل إذا كان العلم والمعرفة مترادفين فلم عبر بالعلم دون المعرفة فالجواب أنه عبر بالعلم تأسيا بالكتاب العزيز حيث قال: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} ، ولأن العلم يتصف به الخالق والخلوق بخلاف المعرفة فإنه لا يتصف بها إلا المخلوق فإن قيل لم عبر باعلم دون افهم أو اجزم أو اعتقد فالجواب أنه عبر به دون ما ذُكر إشارة إلى أنه لا يكفي في هذا الفن إلا العلم دون الفهم والجزم ومطلق الاعتقاد، فإن قيل حيث كان المخاطب باعلم من يتأتى منه العلم فلم عبر باعلم دون اعلموا فالجواب أنه إنما عبر باعلم دون اعلموا لأنه لو عبر باعلموا لربما توهم أنَّ تَعَلُّمَ هذا العلم فرضُ كفاية متعلق بالهيئة الاجتماعية، مع أنه فرض عين فتدبر.
(قوله: أنَّ) أتى بها وإن كان المخاطب ليس منكرًا لانحصار المذكور ولا شاكًا فيه اعتناء بذلك الانحصار، ففيه إشارة إلى أنه ينبغي شدة الاعتناء بعلمه.
(قوله: الحكم العقلي) سيأتي تعريفه في الشارح، ونسبته للعقل من نسبة الشيء لآلته، فالحكم آلته العقل، والحاكم هو النفس، وقول الشارح فيما يأتي والحاكم بذلك إما الشرع أو العادة أو العقل، ففيه تَسَمُّح كما يأتي، وتقييد الحكم بالعقلي لاخراج الحكم الشرعي والعادي، فإنهما لا ينحصران في الأمور الثلاثة المذكورة، وفيه إشارة إلى تقسيم الحكم إلى عقلي وشرعي وعادي وإنما اقتصر المصنف على التكلم على العقلي لأن غالب الصفات دليلها عقلي، وإنما ذكر الشارح الشرعي لأن بعض الصفات وهو السمع والبصر والكلام وكونه سميعا وكونه بصيرًا وكونه متكلمًا ثبت به، وإنما ذكر العادي تتميما للأقسام.
واعلم أن المقصود باللذات من هذه العقيدة من قول المصنف ويجب على كل مكلف الخ، وإنما قدم المصنف قوله اعلم أن الحكم العقلي الخ لأن معرفة تلك الأقسام الثلاثة أعني الوجوب والاستحالة والجواز مما يتوقف عليه الشروع في هذا الفن، لاستمداده منها لأن صاحب علم الكلام تارة يثبتها وتارة ينفيها كقوله يجب لله عشرون صفة ويستحيل عليه أضدادها، ويجوز في حقة فعلُ كلِ ممكنٍ أو تركه، ولا يجب عليه فعل الصلاح ولا الأصلح، ولا يستحيل عليه عذاب المطيع، ولا يجوز أن يقع مالا يريد فمن لم يعرف حقائق تلك الأقسام لم يعرف ما أثبت ههنا ولا ما ينفى، فتلك الأقسام الثلاثة استمداد لهذا العلم من حيث التصور لا من حيث الإثبات ولا النفي، لأن ذلك فائدة هذا العلم.
(قوله: ينحصر في ثلاثة أقسام) اعلم أن الوجوب عدم قبول الانتفاء، والاستحالة عدم قبول الثبوت، والجواز قبول الثبوت والانتفاء، إذا علمت ذلك تعلم أن تلك الثلاثة ليست أجزاء للحكم بالمعنى الذي ذكره الشارح وهو إثبات أمر أو نفيه حتى يكون الحصر من حصر الكل في أجزائه كحصر السكنجبين المركب من الخل والعسل في الخل والعسل وليست جزئيات للحكم بالمعنى المذكور حتى يكون من حصر الكلي في جزئياته كحصر الكلمة في اسم وفعل وحرف، وذلك لعدم صحة صدق الحكم على كل واحد من تلك الثلاثة، وحينئذ فحصر الحكم فيها معناه عدم الخروج عنها في الواقع على حد انحصرت فكرتي في ذنوبي بمعنى أنها لاتخرج