فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 238

سواء كان إحسانا أو غيره والشكر لا يتعلق إلا بالإحسان، والشكر أعم من الحمد بحسب المحل لأنه يكون باللسان وبالقلب وبسائر الجوارح قال الشاعر:

أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجب

والحمد لا يكون إلا باللسان، والصلاة من الله على رسوله صلى الله عليه وسلم زيادة تكرمة وإنعام، وسلامه عليه زيادة تأمين له.

[حاشية الدسوقي]

(قوله: سواء كان) أي الكمال إحسانا أو غيره، والمراد بالإحسان المزايا المتعدي أثرها للغير، والمراد بغيره ما قابل ذلك فيدخل فيه المزايا القاصرة كالعلم والقدرة والإرادة والصفات السلبية والاضافية.

(قوله: لا يتعلق إلا بالإحسان) أي لا يكون إلا في مقابلة الإحسان أي على الشاكر على ما سبق له فأل للعهد.

(قوله: والشكر أعم من الحمد بحسب المحل) كان المناسب أن يزيد وأخص منه بحسب المتعلق ليناسب قوله سابقا فبينه وبين الحمد عموم وخصوص من وجه، وإن كان قوله الحمد أعم من الشكر بحسب المتعلق مستلزما لذلك. (قوله: وبالقلب وبسائر الجوارح) الواو فيهما بمعنى أو وهي مانعة خلو فتجوز الجمع بين الموارد الثلاثة، وأراد بسائر الجوارح بقيتها والمراد الجنس فلا تغفل.

(قوله: كما قال الشاعر) هذا استدلال على أن الشكر يكون باللسان وبالقلب وبسائر الجوارح.

(قوله: النعماء) بفتح النون جمع نعمة بمعنى الإنعام أو مفرد مرادف للنعمة بمعنى الإنعام أي أفادكم إنعامكم على ثلاثةً مني. (قوله: يدي) بدل من ثلاثة أي استعمال يدي بأن أضعها على صدري حين مروركم عليَّ.

(قوله: ولساني) أي واستعمال لساني بأن أثني عليكم به. (قوله: والضمير) أي القلب أي واستعمال قلبي بأن أعتقد اتصافكم بالصفات الجميلة أو أتكلم في نفسى بانكم متصفون بالصفات الجميلة.

(قوله: المحجبا) أي المستتر، فإفادة النعماء لتلك الثلاثة باعتبار ما صدر منها من التعظيم إذ هو المفاد حقيقة بالإنعام. إن قلت إنه لم يُسْتَفَد من البيت أن استعمال الثلاثة شكر، لأن الشاعر لم يطلق الشكر على استعمال الثلاثة حتى يصح الاستدلال بهذا البيت على أن الشكر يكون باللسان وبالقلب وبسائر الجوارح فالجواب أنه يستفاد من البيت أن استعمال الثلاثة شكر من حيث إن الشاعر جعل استعمال الثلاثة جزاء للنعمة، وكل جزاء للنعمة عرفا فهو شكر لغة فكل استعمال للثلاثة شكر لغة فصح الاستدلال باليت بهذا الاعتبار.

(قوله: والحمد لا يكون إلا باللسان) أي وحينئذ فيجتمع الحمد والشكر اللغويان في ثناء بلسان في مقابلة إحسان، وينفرد الحمد عن الشكر في ثناء بلسان لا في مقابلة إحسان بل في مقابلة القدرة أو الشجاعة أو العلم أو إماطة الأذى، وينفرد الشكر في ثناء بغير لسان في مقابلة إحسان، وأصل للمثنى على مامر، وانظر قوله والحمد لا يكون إلا باللسان مع قوله وإنما قلنا بالكلام الخ وقد يقال إنه اقتصر على النسبة التي بين الحمد الحادث والشكر الحادث، وذلك لأنه لما عرف الحمد بما يشمل القديم ولم يعرف الشكر بما يشمل القديم علم أنه سكت عن النسبة بين القديمين، ومعلوم أن الحمد الحادث إنما يكون باللسان.

(قوله: والصلاة من الله الخ) الصلاة مبتدأ وقوله من الله حال وقوله زيادة الخ خبر، إن قلت الحال لا تأتي من المبتدأ على المعتمد وهو مذهب سيبويه قلت أجيب عنه بأن في الكلام حذف مضاف أي وتفسير الصلاة في حال كونها من الله، فالحال في الحقيقة من المضاف إليه وجعلها من المبتدا بحسب الظاهر، واحترز بقوله من الله عن غيره كالأنس والجن والملائكة، فإن الصلاة منهم معناها الدعاء أي طلب الرحمة المقرونة بالتعظيم للمصلى عليه.

(قوله: على رسوله) احترز به عن صلاة الله على غير رسوله فإن معناها الرحمة والإنعام منه. (قوله: زيادة تكرمة) أي وزيادة تعظيم أي وأما أصل التعظيم فهو حاصل له وإضافة الزيادة للتكرمة من إضافة الصفة للموصوف أي التكريم والتعظيم الزائد عما كان حاصلًا له من قبل. (قوله: وإنعام) عطف على تكرمة أي وزيادة إنعام أي وإنعام زائد على ما كان حاصلا له، وفي قوله زيادة إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كغيره من الأنبياء ينتفع بصلاتنا عليه كما أننا ننتفع بالصلاة عليه إلا أنه ينبغي للمصلى أن لا يلاحظ أنه هو المنتفع بها كما أن العبد ينفع سيده بخدمته إلا أن الأليق بالأدب أن لا يلاحظ العبد ذلك. (قوله: وسلامه) أي وسلام الله، وأما سلام غيره فمعناه الدعاء أي طلب التأمين من الله للمسلم عليه. (قوله: عليه) أي على رسوله وأما سلام الله على غيره فمعناه التأمين. (قوله: زيادة تأمين) من إضافة الصفة للموصوف أي تأمين زائد أي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت