لحدوث كلٍ منهما، فلا يتقيد بواحد منهما إلا ما هو حادث مثلها، وهل يجوز أن يتلفظ بلفظ القديم في حقه تعالى فيقال هو جل وعز قديمٌ؛ لأن معناه واجب له جل وعز عقلًا ونقلًا، أو لا يتلفظ بذلك إنما يقال يجب له تعالى القدم أو نحو هذا من العبارات، ولا يطلق عليه في اللفظ اسم القديم؛ لأن أسماءه جل وعز توقيفية؟
هذا مما تردد فيه بعض الأشياخ لكن قال العراقي في شرح أصول السبكي عده الحليمي في الأسماء وقال لم يرد في الكتاب نصًا وإنما ورد في السنة، قال العراقي: وأشار بذلك إلى ما رواه ابن ماجه في سننه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه عد القديم من التسعة والتسعين
[حاشية الدسوقي]
وجوده إلا مصاجبا لزمان أو مكان بأن يبتدئ بابتدائه وينتهي بانتهائه.
(قوله: لحدوث كل منهما) أي والله سبحانه وتعالى قديم فوجوده متحقق قبل الزمان والمكان، فلا يتقيد بهما، وحينئذ فلا يقال الله في زمان أو في مكان لئلا يوهم المقارنة، وأنه لا يتحقق وجوده إلا مصاحبا لهما، نعم يجوز أن يقال الله موجود قبل الزمان والمكان ومعهما وبعدهما.
واعلم أن الزمان وقع فيه خلاف:
فقيل: هو مقارنة متجدد موهوم لمتجدد معلوم إزالة للإبهام، كمقارنة المجيء لطلوع الشمس في قولك أجيئك عند طلوع الشمس، وهذه المقارنة أمر اعتباري لا تتعلق القدرة بها، فوصفها بالحدوث تسمح؛ إذ الحدوث حقيقة هو الوجود بعد عدم، وأما إطلاقه على التجدد بعد عدم فهو مجازٌ، والحدوث حقيقة لا يكون إلا في الحادث حقيقةً؛ وهو الموجود بعد عدمٍ، لا في الحادث مجازا وهو المتجدد بعد عدم؛ كالمقارنة المذكورة التي هي أمر اعتباري.
وقيل: إن الزمان متجدد معلوم يقدر به متجدد موهوم كطلوع الشمس في المثال، ووصف الزمان بالحدوث على هذا القول حقيقي، وعلى هذين القولين فالظرفية في قولك أنا في زمان كذا مجازية، والمعنى على الأول أنا مصاحب للزمان أي المقارنة، وعلى الثاني أنا مقارن للزمان.
وقيل: إنه حركة الفلك.
وقيل: نفس الفلك.
ووصف الزمان بالحدوث على هذين القولين حقيقي أيضا، وعليهما فالظرفية حقيقية؛ لأن الفلك محيط بنا ويتحرك علينا كما هو مبين في علم الهيئة.
وأن المكان عند أهل السنة هو الفراغ الذي يحل فيه الجسم، ولا يخفى أن الفراغ عدم محض، فوصفه بالحدوث تسمح، وعند بعض الفلاسفة هو السطح الباطن من الحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوي، أو السطح المستعلي عليه آخر، وحينئذ فوصفه بالحدوث حقيقي. (قوله: لأن معناه) أي معنى القدم. (قوله: واجب له) أي ثابت له لا يقبل الانتفاء، أي ومن ثبت له شيء صح أن يشتق له منه اسم. (قوله: أو نحو هذا من العبارات) نحو يجب له عدم الأولية أو عدم افتتاح الوجود. (قوله: اسم القديم) الإضافة بيانية. (قوله: توقيفية) أي يتوقف إطلاقها على نص من الشارع، فما ورد عن الشارع إطلاقه عليه جاز لنا إطلاقه عليه، وما لا فلا.
(قوله: هذا مما تردد فيه بعض الأشياخ) أي وهو إمام الحرمين والقاضي أبو بكر ومن تبعهما، وهذا التردد قولان في الواقع فالشق الأول منه قول المعتزلة؛ ومال إليه القاضي، والشق الثاني منه قول أهل السنة، وإمام الحرمين ومن تبعه توقف ولم يجزم بشي.
واعلم أن محل التردد والخلاف كل اسم يقتضي مدحًا خالصًا ليس موهمًا نقصًا ولم يرد نصٌ بإطلاقه، ولا يخفى أنَّ لفظ القديم على فرض أنه لم يَرد به نصٌ موهمٌ، لأنه يوهم معنى لا يصح في حقه تعالى، وهو من طالت مدة وجوده وحينئذ فلا يكون من محل التردد، ومع ورود النص فيه فيقال لا وجه لجريان التردد في إطلاقه إذ لا شك في جواز إطلاق القديم عليه تعالى حينئذ، وإن أوهم القدم بطول الزمان. (قوله: لكن قال الخ) قصد بهذا الاستدراك دفع التردد ورده، وحاصله أنه لا وجه لجريان التردد في إطلاق القديم، لأن محل التردد إنما هو فيما لم يَرد به إذن، وهذا قد ورد الإذن باطلاقه، وقد يقال إن المتردد لم يطلع على ذلك النص فتردد.
(قوله: الحليمي) بفتح الحاء وكسر اللام نسبة لحليمة السعدية مرضعته صلى الله عليه وسلم، أو إلى حليم جده كذا قال بعضهم، وفي القاموس أنه نسبة إلى حليم جد محمد بن الحسن صاحب التصانيف، وهذا يقوى الثاني.
(قوله: وقال) أي الحليمي، وقوله لم يرد أي لفظ القديم في الكتاب نصًا، أي لم يرد فيه صريحا، وإنما ورد فيه ضمنا، فإنه ورد فيه"هو الأول"وهو معنى القديم.
(قوله: وأشار) أي الحليمي (قوله: بذلك) أي بقوله ولكن ورد في السنة. (قوله: ابن ماجه) هو بالهاء وصلا ووقفًا، وكذا رواه النسائى (قوله: في سننه) المشهور فيه ضم السين، وله وجه وهو أنه جمع سُنة بمعنى الطريقة، وذكر الشيخ الملوى نقلا عن بعض مشايخ شيخه من كبراء محدثي فاس أنه بفتح السين أي طريقه، وأن قراءته بضم السين من الخطأ لذي عمت به البلوى، ثم قال شيخنا وهذا أمر يرجع فيه للرواية. (قوله: وفيه) أي والحال أن فيه؛ أي: في حديث أبي هريرة الذي رواه ابن ماجه. (قوله: عد القديم من التسعة والتسعين) أي بدل