فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 238

للوجود، وإن شئت قلت هو عبارة عن عدم افتتاح الوجود، والعبارات الثلاث بمعنى واحد، هذا معنى القدم في حقه تعالى باعتبار ذاته العلية وصفاته الجليلة السنية، وأما معناه إذا أطلق في حق الحادث كما إذا قلت مثلا هذا بناء قديم وعرجون قديم فهو عبارة عن طول مدة وجوده، وإن كان حادثا مسبوقا بالعدم كما في قوله تعالى: {إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ} [يوسف: 95] ، وقوله عز وجل: {كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [يس: 39] ، والقدم بهذا المعنى على الله تعالى محال؛ لأن وجوده جل وعز لا يتقيد بزمان ولا مكان

[حاشية الدسوقي]

والآخرية على البقاء بعد فناء الخلق، وكلا المعنيين تصح إرادته هنا، فالمعنى على الثاني عدم السبق على الوجود، والمعنى على الأول عدم ابتدائية الوجود، فمعنى كونه قديما أنه لا ابتداء لوجوده، والقدم على هذا التعريف كالذي بعده سلبي لأن العدم فيهما لم يضف لعدم، بخلاف الأول فإنه يقتضي أنه ثبوتي كما مر.

(قوله: للوجود) كان الأولى أن يزيد أو الثبوت لأجل أن يشمل التعريف قدم الصفات المعنوية كما مر. (قوله: والعبارات الثلاث بمعنى واحد) أي ملتبسة بمعنى واحد من التباس الدال بالمدلول، وفيه أنه إن أراد بالمعنى الواحد المفهوم فتكون العبارات الثلاث مترادفة أي متحدة المفهوم والماصدق كالإنسان والبشر الموضوعين للحيوان الناطق، ففيه أن مفهوم العبارة الأولى ثبوت، ومفهوم الأخيرتين عدم كما تبين لك، فلا تكون العبارات الثلاث متحدة المفهوم، وإن أراد بالمعنى الواحد الماصدق وإن اختلف مفهومًا فتكون العبارات الثلاث متساويةً، أي مختلفة مفهوما متحدة ماصدقا كالضاحك والكاتب بالقوة، ففيه أن ماصدقات العبارة الأولى ثبوتات، ضرورة أن مفهومها ثبوت وما صدق الأخيرتين أعدام؛ ضرورة أن مفهومها عدم كما تبين لك، ويجاب بان المراد بكونها بمعنى أن أوائلها بمعنى وهو السلب أي أن أوائلها سلب؛ وإن اختلف متعلقه وهو العدم في العبارة الأولى، والأولية في الثانية، والافتتاح في الثالثة، أو أن المراد بكونها بمعنى واحد أنها متلازمة أو أنَّ كلا منها مفهومه نفي أمر لا يليق بالله كان الأمر عدميا أمْ لا.

(قوله: هذا) أي ما ذكر من معاني العبارات الثلاث معنى القدم الخ فيه أن كون ما ذكر معنى القدم في حق ذاته وصفاته الوجودية مُسَلَّمٌ، وأما كونه معنى القدم في حق صفات الأحوال على القول بها فغير مُسَلَّمٍ؛ لأنه اعتبر الوجود في العبارات الثلاث ولا وجود للأحوال، فإن قيل: أراد بالوجود الثبوت. قلنا: هو مجاز ولا قرينة عليه، ولا يجوز ذلك في التعاريف.

(قوله: وصفاته الجليلة) أي العظيمة، وقوله السنية أي المرتفعة، وأراد بها صفاته الوجودية والثبوتية كما هو ظاهر، وقد علمت ما فيه، وأما صفات السلوب فتتصف بالقدم إن قلنا إن القديم مرادف للأزلي؛ وأن كلا منهما هو الأمر الذي لا أول له سواء كان وجوديا كذات الله وصفاته الوجودية أو ثبوتيا أو عدميًا كصفات السلوب وعدمنا في الأزل، ولا تتصف بالقدم إن قلنا إن القديم أخص من الأزلي، وأن القديم هو الموجود الذي لا أول لوجوده، والأزلي هو الأمر الذي لا أول له وجوديًا كان أوْ لا، وعلى هذا فتتصف صفات السلوب بالأزلية دون القدم، فيقال صفات السلوب أزلية ولا يقال قديمة، بخلافها على الأول فإنها تتصف بالأزلية وبالقدم، وعليه فالمناسب في تعاريف القدم عدم الاقتصار على الوجود بأن يعمم فيقول مثلًا القدم عدم افتناح الذات والصفات ليدخل فيه قدم صفات السلوب، تأمل.

واعلم أن ذاته تعالى وصفاته كل منهما قديم بالذات وبالزمان، لأن كلا منهما لم يفتقر في وجوده لمؤثر ولا أول لوجوده، خلافًا لما ذهب إليه الأعاجم كالفخر والسعد والعضد من أن صفاته قديمة بالزمان فقط؛ لأنها ناشئة عن المولى بطريق العلة فهي عندهم ممكنة لذاتها واجبة لغيرها، وقد شنع ابن التلمساني على من قال بذلك كما في الكبرى.

(قوله: و أما معناه) أي القدم في حق الحادث فهو طول مدة وجوده، وقد حدد الفقهاء طول مدة الوجود بسنة، فمن لم يمكث سنة لا يقال له قديم، فإذا قال السيد: القديم من عبيدي حر عتق من مضت عليه سنة وهو في ملكه.

واعلم أن القدم في اصطلاح المتكلمين حقيقة في عدم افتتاح الوجود، ومجاز في طول المدة، وفي أصل اللغة بالعكس.

(قوله: مثلا) مقدمة من تأخير محلها بعد قوله هذا بناء قديم. (قوله: وإن كان حادثا) جملة حالية، وإن وصلية، وليس المعنى على المبالغة لفساده، ولا حاجة لهذه الجملة مع قوله طول مدة وجوده، لأن الضمير راجع للحادث فهو مغن عنها. (قوله: القديم) أي الذي طالت مدته. (قوله: والقدم بهذا المعنى على الله تعالى محال) أي وكذا على صفاته بقرينة ما سبق. (قوله: لا يتقيد بزمان ولا مكان) أي بحيث لا يتحقق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت