فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 257

وليس معنى قوله (وَما كانَ) على النفي وإنما هو على التحريم والنهي كقوله (ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ) .

ولو كان ذلك على النفي لما وجدت مؤمنا قتل مؤمنا قط لأنّ ما نفى الله لم يجز وجوده.

كقوله تعالى: (ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها) ولا يقدر العباد على إنبات شجرها ألبتَّة.

وقوله تعالى: (إِلَّا خَطَأً) عندنا ليس من الأول للمعنى.

(وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا) ألبتَّة إلّا أن المؤمن قد يخطئ في القتل وكفّارة خطأه ما ذكر بعده.

قال أبو عبيدة: العرب تستثني الشيء من الشيء فليس منه على اختصار وضمير، أي ليس مؤمنا على حال، إلّا أن يقتل مخطئا فإن قتله مؤمنا فعليه، كذا وكذا، ومثله قوله (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) واللمم ليس من الكبائر ومعناه إلّا أن يلم بالفواحش والكبائر أي يقرب منها.

ومثله قول جرير:

من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ ... على الأرض إلّا ذيل برد مرجّل)

فكأنه قال: لم يطأ على الأرض إلّا أن يطأ ذيل البرد فليس هو من الأرض.

وقال أبو خراش الهذلي:

أمست سقام خلاء لا أنيس به ... إلّا السباع ومرّ الريح بالغرف)

الغرف متجر يعمل فيها الغرابيل، وسقام واد لهذيل وكان أبو عمر الهذلي يرتع ذلك ومثله قول الشاعر:

وبلدة ليس بها أنيس ... إلّا اليعافير وإلّا العيس)

يقول: إلّا أن يكون بها اليعافير والعيس.

وقال بعضهم: (إلّا) هاهنا معنى (لكن) فكأنه قال وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ولا عمدا إلّا بحال. لكن إن قتله خطأ فكذا وكذا وهذا كقوله (لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً) معناه لكن تجارة عن تراض منكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت