وإنما لم يقل: نعبدك لأنه يصحّ في العبارة، وأحسن الإشارة لأنهم إذا قالوا: إياك نعبد، كان نظرهم منه إلى العبادة لا من العبادة إليه.
وقوله: (نَعْبُدُ) أي نوحد ونخلص ونطيع ونخضع، والعبادة رياضة النفس على حمل المشاق في الطاعة. وأصلها الخضوع والانقياد والطاعة والذلة.
وسمّي العبد عبدا لذلّته وانقياده لمولاه.
وإنّما كرّر (إِيَّاكَ) ليكون أدلّ على الإخلاص والاختصاص والتأكيد لقول الله تعالى خبرا عن موسى: (كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا) ، ولم يقل: كي نسبحك ونذكرك كثيرا.
وقال الشاعر:
وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به ... بين النهار وبين الليل قد فصلا)
ولم يقل بين النهار والليل.
وقال الآخر:
بين الأشجّ وبين قيس باذخ ... بخ بخ لوالده وللمولود)
وقال أبو بكر الورّاق: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) لأنك خلقتنا، (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) لأنك هديتنا وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا الحسن علي بن عبد الرّحمن الفرّان، وقد سئل عن الآية فقال:
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ) لأنك الصانع، (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) لأن المصنوع لا غنى به عن الصانع، (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) لتدخلنا الجنان، (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) لتنقذنا من النيران، (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) لأنّا عبيد وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لأنك كريم مجيد، (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) لأنك المعبود بالحقيقة (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) لأننا العباد بالوثيقة.