وقال سعيد بن المسيّب: الحكمة في هذه المدّة أن فيها ينفخ الروح في الولد، وإنّما قال (وَعَشْرًا) بلفظ المؤنث لأنه أراد الليالي لأن العرب إذا أتممت العدد من الليالي والأيام غلّبت عليه الليالي فيقولون: صمنا عشرا، والصوم لا يكون إلّا بالنهار، قال الشاعر:
وطافت ثلاثا بين يوم وليلة ... وكان النكير أن يضيف ويجار
أي يخاف فاضح، ويدلّ عليه قراءة ابن عباس: أربعة أشهر وعشر ليال.
وقال المبرّد: إنّما أنّث العشر لأنّه أراد به المدد.
فإن قيل: فأين الخبر عن قوله (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ) ؟
قيل: هو متروك فإنه لم يقصد الخبر عنهم، وذلك جائز في الاسم يذكر ويكون تمام خبره في اسم آخر، أن يقول الأول ويخبر عن الثاني فيكون معناه (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) كقول الشاعر:
بني أسد أنّ ابن قيس وقتله ... بغير دم دار المذلّة حلّت)
فألغى ابن قيس وقد ابتدأ بذكره، وأخبر عن قتله أنه ذلّ، وأنشد:
لعلّي أن مالت بي الريح ميلة ... على ابن أبي ذبان أن يتندما)
فقال: لعلّي ثم قال: يتندما لأن المعنى فيه عدا قول الفرّاء.
وقال الزجّاج: معناه: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا أزواجهم يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ.
وقال الأخفش: خبره في قوله (يَتَرَبَّصْنَ) أي يتربصن بعدهم.
وقال قطرب: معناه ينبغي لهنّ أن يتربصن أي ينتظرن ويحتبسن بأنفسهن، معتدّات على أزواجهن، تاركات الطيب والزينة والأزواج والنقلة عن المسكن الذي كنّ يسكنّه في حياة أزواجهنّ أربعة أشهر وعشرا إلّا أن يكنّ حوامل فيتربصن إلى أن يضعن حملهن، فإذا ولدن انقضت عدّتهنّ.