فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 257

فإن قيل ما وجه قوله: (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ) وقوله (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) وقد يدعي كثيرا فلا يستجيب؟

قلنا: اختلف العلماء في وجه الآيتين وتأويلهما.

فقال بعضهم: معنى الدّعاء هاهنا الطّاعة ومعنى الإجابة الثواب كأنّه قال: أجيب دعوة الدّاعي بالثواب إذا أطاعني.

وقال بعضهم: معنى الآيتين خاص، وإن كان لفظهما عاما، تقديرها أجيب دعوة الدّاعي إن شئت وأجيب دعوة الدّاعي إذا وافق القّضاء، وأجيب دعوة الدّاعي إذا لم يسأل محالا، وأجيب دعوة الدّاعي إذا كانت الإجابة له خيرا، يدلّ عليه ما

روى أبو المتوكّل عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما من مسلم دعا الله عزّ وجلّ بدعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا إثم إلّا أعطاه الله بها أحدى خصال ثلاث: إمّا أن تعجّل دعوته، وامّا أن يدّخر له في الآخرة، وامّا أن يدفع عنه من السوء مثلها» قالوا: يا رسول الله إذا يكثر قال: «الله أكثر» .

وقال بعضهم: هو عام وليس في الآية أكثر من إجابة الدّعوة، فأمّا إعطاء المنية وقضاء الحاجة فليس بمذكور في الآية، وقد يجيب السّيّد عبده والوالد ولده ثمّ لا يعطيه سؤله فالإجابة كائنة لا محالة عند حصول الدّعوة ولأن قوله: أجيب وأستجيب خبر والخبر لا يعترض عليه، لأنّه إذا نسخ صار المخبر كذّابا وتعالى الله عن ذلك، ودليل هذا التأويل: ما

روى نافع عن ابن عمر عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «من فتح له باب في الدّعاء فتحت له أبواب الإجابة، وأوحى الله تعالى إلى داود صلّى الله عليه وسلّم: قل للظّلمة لا تدعوني فإنّي أوجبت على نفسي أن أجيب من دعاني وإنّي إذا أجبت الظالمين لعنتهم» [[1] ].

وقيل: إنّ الله يجيب دعاء المؤمن في الوقت إلّا إنّه يؤخّر إعطاء مراده ليدعوه فيسمع صوته، يدلّ عليه ما

روى محمّد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ العبد ليدعو الله وهو يحبه فيقول يا جبرئيل: اقضي لعبدي هذا حاجته وأخّرها فإنّي أحبّ أن لا أزال أسمع صوته، وإن العبد ليدعو الله وهو يبغضه فيقول لجبريل اقض لعبدي حاجته بإخلاصه وعجّلها فإني أكره أن أسمع صوته.

وبلغنا عن يحيى ذبيح الله أنه قال: سألت ربّ العزّة في المنام فقلت: يا رب كم أدعوك فلا تستجيب لي؟

فقال: يا يحيى إنّي أحبّ أن أسمع صوتك».

قال بعضهم: إنّ للدعاء آدابا وشرائط هي أسباب الإجابة ونيل الأمنية فمن راعاها واستكملها كان من أهل الإجابة ومن أغفلها وأخلّ بها فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاعْتِدَاءِ فِي الدُّعَاءِ.

وحكي إنّ إبراهيم بن أدهم قيل له: ما بالنا ندعوا الله فلا يستجيب لنا؟

قال: لأنّكم عرفتم الله فلم تطيعوه وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنّته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا بما فيه، وأكلتم نعمة الله فلم تؤدّوا شكرها، وعرفتم الجنّة فلم تطلبوها وعرفتم النّار فلم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه وعرفتم الموت فلم تستعدّوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا بهم وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت