ولو كان ذلك على معنى الوجوب كان لقوله (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ) ووجدنا في لغة العرب.
إنه إذا قال القائل: جزاؤه كذا ثم لم يجازه لم يكن كاذبا، وإذا قال: أجزيه، ولم يفعل كان كاذبا، فعلم أن منهما فرضا واضحا يدل على صحة هذا التأويل.
ما روى العلاء بن المسيب عن عاصم بن أبي النجود عن ابن عباس.
قوله (فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ) أي في جزائه إن شاء عذبه وان شاء غفر له.
وروى شعبة عن يسار عن أبي صالح قال: فَهُوَ جَزاؤُهُ إن جازاه فهو جزاؤه.
روى الحجاج بن الأسود عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: في قوله تعالى: (فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ) قال: جزاؤه إن جازاه
قال: فليس قوله (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ) من الأفعال الماضية.
ومتى قلتم أن المراد منه: فجزاؤه ذلك أن جازاه كان من الأفعال المستقبلة؟
يقال لهم: قد يرد الخطاب بصفة الماضي والمراد المستقبل.
وهو قوله (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ) . (وَحَشَرْناهُمْ) (وَقالَ قَرِينُهُ) كل ذلك يكون مستقبلا، وقد يرد بلفظ المستقبل، والمراد به الماضي كقوله (وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) .
بمعنى إلّا أن آمنوا، ومثله كثير، وقد قيل في تأويل هذه الآية: إن هذا الوعيد (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا) مستحلا لقتله، وأما قوله: من زعم أنه لا توبة له فأنه خارج من الكتاب والسنّة.
وذلك يغفر الله لهم الذنوب.
وأمر بالتوبة منها فقال (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا) ونحوه من الآيات. ولم يفصل بين ذنب وذنب، وإذا كان الله قابل التوبة من الكفر فقبول التوبة من القتل أولى.
قال الله (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ) إلى قوله (وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا) وقال إخوة يوسف (اقْتُلُوا يُوسُفَ) ثم قال (وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ) يعني بالتوبة
وسئل النبي صلّى الله عليه وسلّم: أمن كل ذنب يقبل التوبة؟
فقال: نعم، فإن قيل: فلم يقولون في الاخبار التي وردت أنّ القاتل لا توبة له؟
قيل: تأويلها إن صح الخبر بها على أنه إذا لم يرتكب ذنبا ولم يستغفر الله منه
ويدل على هذا ما حدّث: خالد بن دهقان عن أبي زكريا قال: سمعت أم الدرداء تقول: سمعت أبا الدرداء يقول:
سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «كل ذنب عسى الله أن يغفر إلّا من مات مشركا أو قتل مؤمنا متعمدا» .
قال خالد بن دهقان: فقال هاني بن كلثوم: سمعت محمود بن ربيع يحدّث عن عبادة بن الصامت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من قتل مؤمنا ثم اغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا» .
قال خالد: سألت يحيى بن يحيى الغساني عن قوله: اغتبط بقتله، قال: هم الذين يقتتلون في الفتنة فيقتل أحدهم فيرى أنه على هدى ولا يستغفر الله منه أبدا.
سفيان عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لا أعلم للقاتل توبة إلّا أن يستغفر الله.
وروى أبو الأشهب عن سليمان بن علي الكلبي عن الحسن أنه قرأ هذه الآية (مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ) إلى قوله جَمِيعًا. هات يا أبا سعيد، أي علينا كما كانت على بني إسرائيل.
فقال: إي والله الذي لا إله إلّا هو ما جعل دماء بني إسرائيل أكرم من دمائنا.