فإن قيل: كيف يصح وزن الأعمال وهي أعراض وليست بأجسام فيجوز وزنها ووصفها بالثقل والخفة، وإنما توزن الأعمال التي فيها أعمال العباد مكتوبة؟
يدلّ عليه حديث عبد الله بن عمر، وقال: يؤتى بالرجل يوم القيامة إلى الميزان ثمّ خرج له تسعة وتسعون سجلّا كلّ سجل منها مثل مدى البصر فيها خطاياه وذنوبه فيوضع في الكفّة ثمّ يخرج له كتاب مثل الأنملة فيها شهادت أن لا إله إلّا الله وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم يوضع في الكفّة الأخرى فيرجّح خطاياه وذنوبه، ونظير هذه الآية قوله (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ) .
فإنّ قيل: لم جمعه وهو ميزان واحد؟
قيل: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُهُ جَمْعًا وَمَعْنَاهُ وَاحِدٌ كقوله (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ) و (يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كلوا) وقال الأعشي:
ووجه نقي اللون صاف يزيّنه ... مع الجيد لبّات لها ومعاصم
أراد لبّة ومعصما.
وقيل: أراد به الأعمال الموزونة.
وقيل: الأصل ميزان عظيم ولكل عبد فيه ميزان معلّق به.
وقيل: جمعه لأن الميزان ما اشتمل على الكفتين والشاهدين واللسان ولا يحصل الوزن إلّا باجتماعهما.
وقيل: الموازين أصله: ميزان يفرق به بين الحق والباطل وهو العقل، وميزان يفرّق بين الحلال والحرام وهو العلم، وميزان يفرّق به بين السعادة والشقاوة هو عدم سهو الإرادة، وبالله التوفيق.