فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 142

أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [1] .

قالت طائفة: اللفظ على ظاهره ولكن قاله هذا الرجل وهو غير ضابط لكلامه ولا قاصد لحقيقة معناه ومعتقد لها بل قاله في حالة غلب عليه الدهش والخوف وشدة الجزع بحيث ذهب تيقظه وتدبر ما يقول فصار في معنى الغافل والناسي وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها، وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرح حين وجد راحلته (أنت عبدي وأنا ربك) فلم يكفر بذلك الدهش والسهو.

وقد جاء في هذا الحديث في غير مسلم (فلعلي أضل الله) أي أغيب عنه، وهذا يدل على أن قوله"لئن قدر الله"على ظاهره.

وقالت طائفة هذا من مجاز كلام العرب وبديع استعمالها يسمونه مزج الشك باليقين كقوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [2] فصورته صورة الشك والمراد به اليقين.

وقالت طائفة هذا الرجل جهل صفة من صفات الله، واختلف العلماء في تكفير جاهل الصفة، قال القاضي عياض وممن كفره بذلك ابن جرير الطبري، وقال به أبو الحسن الأشعري أولا، وقال آخرون لا يكفر بجهل الصفة، ولا يخرج به عن اسم الإيمان بخلاف جحدها، وإليه رجع أبو الحسن الأشعري وعليه استقر قوله، لأنه لم يعتقد ذلك اعتقادا يقطع بصوابه ويراه دينا وشرعا، وإنما يكفر من اعتقد أن مقالته حق، وقال هؤلاء ولو سئل الناس لوجد العالم بها قليلا.

وقالت طائفة: كان هذا الرجل في زمن فترة حين ينفع مجرد التوحيد ولا تكليف قبل ورود الشرع على المذهب الصحيح لقوله تعالى: {مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [3] .

وقالت طائفة يجوز أنه كان في زمن، شرعهم فيه جواز العفو عن الكافر بخلاف شرعنا، وذلك من مجوزات العقول عند أهل السنة، وإنما منعناه في شرعنا بالشرع وهو قوله تعالى:

(1) - الأنبياء الآية 87.

(2) - سبأ الآية 24.

(3) - الإسراء الآية 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت