حقيقة معناها البراءة من كل معبود والتعهد بتجريد كل أنواع العبادة لله سبحانه وحده، والقيام به على الوجه الذي يحبه ويرضاه، فمن لم يقم بحقها من العبادة أو قام ببعض أنواع العبادة ثم عبد مع الله غيره، من دعاء الأولياء والصالحين والنذر لهم ونحو ذلك، فإنه يكون هادمًا لها، فلا تنفعه دعواه ولا تغني عنه شيئًا. ولو كان مجرد قولها كافيًا، لم يقع من المشركين ما وقع من محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم ومعاداته قال الله تعالى {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [1] ، وقال: {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [2] ، فمن لم يوف بها ويعمل بمقتضاها، لا ينفعه التلفظ، وكل من جعل شيئًا من العبادة لغير الله فهو إما جاهل بمعناها أو كاذب في ادعائه الإيمان وأولئك هم المغرورون الأخسرون أعمالا {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [3] [4] . وقال رحمه الله: (كثير من أدعياء العلم يجهلون"لا إله إلا الله"فيحكمون على من تلفظ بها بالإسلام ولو كان مجاهرًا بالكفر الصراح، كعبادة القبور والموتى والأوثان واستحلال المحرمات المعلوم تحريمها من الدين ضرورة والحكم بغير ما أنزل الله، واتخاذ أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، ولو كانت لهؤلاء الجهلة قلوب يفقهون بها لعلموا أن معنى"لا إله إلا الله"البراءة من عبادة غير الله، وإعطاء العهد والميثاق بالقيام بأداء حق الله في العبادة، يدل على ذلك قول الله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [5] ، وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم للخوارج بكثرة الصلاة والصيام وقراءة القرآن المشحون بلا إله إلا الله، ومع ذلك فقد حكم عليهم بالكفر وقال(لو أدركتهم لقتلتهم قتل عاد) كما في الصحيحين، ولو كان مجرد التلفظ بلا إله إلا الله كافيًا ما وقعت الحرب والعداء بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين المشركين الذين كانوا يفهمون لا إله إلا الله أكثر مما يفهمها أدعياء العلم في هذا الزمن، ولكن طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون) [6] .
(1) - محمد الآية 19.
(2) - الزخرف الآية 86.
(3) - الكهف الآية 104.
(4) - هامش فتح المجيد، 72.
(5) - البقرة الآية 256.
(6) - هامش فتح المجيد، ص 258.