عليهم شركهم بقوله: {فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [1] ، وقوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} فلما صح إقرارهم وبخهم منكرا عليهم شركهم بقوله: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [2] . وقوله سبحانه: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا} ولا شك أن الجواب الذي لا جواب لهم البتة غيره هو أن القادر على خلق السموات والأرض وما ذكره معهما خير من جماد لا يقدر على شيء فلما تعين اعترافهم وبخهم منكرا عليهم بقوله: {أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [3] . والآيات بنحو هذا كثيرة جدا ولأجل ذلك ذكرنا في غير هذا الموضع أن كل الأسئلة المتعلقة بتوحيد الربوبية استفهامات تقرير يراد منها أنهم إذا أقروا رتب لهم التوبيخ والإنكار على ذلك الإقرار لأن المقر بالربوبية يلزمه الإقرار بالألوهية ضرورة) [4] .
وقال ابن القيم رحمه الله (والإلهية التي دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها هي العبادة والتأله ومن لوازمها: توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون فاحتج الله عليهم به فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلهية) . [5]
وقال ابن كثير (هذا المقام في إثبات الربوبية وتوحيد الألوهية، فقال تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [6] أي: أوجدوا من غير موجود؟ أم أوجدوا أنفسهم؟ أي لا هذا ولا هذا بل الله خلقهم وأنشأهم بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا) [7] .
وقال السعدي في تفسيرها (وهذا استدلال عليهم بأمر لا يمكنهم فيه إلا التسليم للحق أو الخروج عن موجب العقل والدين. وبيان ذلك أنهم منكرون لتوحيد الله مكذبون لرسله وذلك مستلزم لإنكارهم أن الله خلقهم وقد تقرر في العقل مع الشرع أن ذلك لا يخلو من ثلاثة أمور، إما أنهم خلقوا من غير شيء أي: لا خالق خلقهم، بل وجدوا من غير إيجاد ولا مُوجد، وهذا عين المحال، أم هم الخالقون لأنفسهم؟ وهذا أيضا محال، فإنه لا يتصور أن
(1) - العنكبوت الآية 61.
(2) - (العنكبوت الآية 63
(3) - النمل الآية 60.
(4) - أضواء البيان.
(5) - إغاثة اللهفان (2/ 135) .
(6) - الطور الآية 35.
(7) - تفسير ابن كثير 4/ 244.