فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 142

أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية) [1] . فهذا كلام شيخ المفسرين وصاحب أصح التفاسير، وقال البغوي في تفسيرها: (قوله عز وجل {فَرِيقًا هَدَى} أي هداهم الله {وَفَرِيقًا حَقَّ} وجب {عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ} أي الإرادة السابقة {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} فيه دليل على أن الكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق والجاحد والمعاند سواء) [2] .

وقال تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [3] .

(روى البخاري عن مصعب قال سألت أبي يعني سعد بن أبي وقاص عن قول الله: {هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا} أهم الحرورية؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى أما اليهود فكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا لا طعام فيها ولا شراب والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه وكان سعد رضي الله عنه يسميهم: الفاسقين") [4] ."

وقال علي بن أبي طالب والضحاك وغير واحد هم الحرورية، ومعنى هذا عن علي أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم. لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص ولا هؤلاء بل هي أعم من هذا.

فإن هذه الآية مكية، قبل خطاب اليهود والنصارى وقبل وجود الخوارج بالكلية وإنما هي عامة في كل من عبد غير الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول وهو مخطئ وعمله مردود كما قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} [5] . وقوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} [6] . وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [7] .

وقال في هذه الآية الكريمة {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ} أي نخبركم {بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا} ثم فسرها فقال {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي عملوا أعمالا باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} أي: يعتقدون أنهم على شيء وأنهم مقبولون محبوبون) [8] .

ث - آفة الخوارج ظنهم أنهم على حق وهو جهل

قال شيخ الإسلام (قال الإمام أحمد: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه وهذه العشرة أخرجها مسلم في صحيحه موافقة لأحمد، وروى البخاري منها عدة أوجه، وروى أحاديثهم أهل السنن والمسانيد من وجوه أخر) [9] .

وقد ذهب إلى القول بكفرهم إمام المحدثين البخاري وشيخ المفسرين الطبري والإمام ابن العربي والسبكي والرافعي والقرطبي في المفهم وغيرهم [10] .

قال البخاري في صحيحه: باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم وقول الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [11] .

وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين [12] ، قال الحافظ (قوله:"وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله"وصله الطبري في مسند علي في تهذيب الآثار من طريق بكير بن عبد الله بن الأشج أنه سأل نافعا كيف كان رأي ابن عمر في الحرورية قال كان يراهم شرار خلق الله، انطلقوا إلى

(1) - مختصر تفسير ابن كثير، محمد أحمد شاكر2/ 14.

(2) - تفسير البغوي ص 460 - 461.

(3) - الكهف 103 - 104.

(4) - البخاري 4728.

(5) - الغاشية الآية 2 - 4.

(6) - الفرقان الآية 23.

(7) - النور الآية 39.

(8) - مختصر تفسير ابن كثير 2/ 436.

(9) - الفتاوي 7/ 479.

(10) - راجع فتح الباري، كتاب الردة، 12/ 295 - 313.

(11) - التوبة الآية 115.

(12) - البخاري مع الفتح، طبعة في ثلاثة مجلدات، 3/ 224.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت