فهذا الرجل لم يقصد عبادة غير الله بل قرب الذباب لينجو بنفسه ولم يكن يدري أن فعله ذلك يدخله النار.
ولذلك قال محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد: (فيه مسائل .. التاسعة: كونه دخل النار بذلك الذباب الذي لم يقصده بل فعله تخلصا من شرهم، الحادية عشرة: أن الذي دخل النار مسلم لأنه لو كان كافرا لم يقل"دخل النار في ذباب") [1] .
قال عبد الرحمن بن حسن (وفي هذا الحديث التحذير من الوقوع في الشرك وأن الإنسان قد يقع فيه وهو لا يدري أنه من الشرك الذي يوجب النار) [2] .
خ - الاستهزاء بالله وآياته
قال تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ * لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} [3] .
قال أبو بكر بن العربي المالكي رحمه الله (لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جدا أو هزلا، وهو كيفما كان كفر، فإن الهزل بالكفر كفر، لا خلاف فيه بين الأمة فإن التحقيق أخو الحق والعلم والهزل أخو الباطل والجهل) [4] .
قال ابن تيمية ( {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} فاعترفوا واعتذروا ولهذا قيل: {لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرا بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبين أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفُر صاحبُه بعد إيمانه، فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم، ولكن لم يظنوه كفرا. وكان كفرا كفروا به فإنهم لم يعتقدوا جوازه.
(1) - مجموعة التوحيد، كتاب التوحيد ص 140.
(2) - فتح المجيد 168.
(3) - التوبة الآية 65 - 66.
(4) - أحكام القرآن 2/ 976 - 977.