ومثاله ما رواه البخاري (أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين و يتبعه، فلقي عالما من اليهود فسأله عن دينهم فقال: إني لعلى أن أدين دينكم فأخبرني فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله، قال زيد: ما أفر إلا من غضب الله وما أحمل من غضب الله شيئا أبدا وأنى أستطيعه؟ فهل تدلني على غيره، قال ما أعلمه إلا يكون حنيفا قال زيد وما الحنيف؟ قال دين إبراهيم، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله، فخرج زيد فلقي عالما من النصارى، فذكر مثله فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله، قال ما أفر إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئا أبدا وأنى أستطيع؟ فهل تدلني على غيره؟ قال ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا قال وما الحنيف؟ قال دين إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم عليه السلام خرج فلما برز رفع يديه فقال: اللهم إني أشهد أني على دين إبراهيم) [1] .
قال ابن حجر في رواية ابن إسحاق (وكان يقول: اللهم لو أعلم أحب الوجوه إليك لعبدتك به، ولكني لا أعلمه ثم يسجد على الأرض براحته) [2] .
وإذا أدركت هذا وعلمت أن مشركي العرب قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم من أهل النار كما مر في حديث (إن أبي وأباك في النار) وحديث بني المنتفق وغيرهما .. ظهر لك جليا الفرق بين المتمكن الناجي والجاهل المعرض.
ومثل هذا - أي النجاة بتحقيق التوحيد ومؤاخذة المتمكن المعرض- حديث حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله تعالى في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها) فقال صلة بن زفر لحذيفة فما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة في الثالثة فقال (يا صلة تنجيهم من النار، تنجيهم من النار) رواه ابن ماجه وابن حبان والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، قال ابن حجر (رواه ابن ماجه بسند
(1) - رواه البخاري (3827) .
(2) - فتح الباري 7/ 145.