إن ثمة طائفة - ممن اهتموا بمسائل الكفر والإيمان - ادعت ما ليس لها ولبست غير ثوبها، وتصدت لدعاة التوحيد بقوة، فاتهمتهم بما يصد عن دعوتهم لتبقى الساحة مفتوحةً لجر ذيولها، مخلفة أثرها الاستسلامي وروحها الانهزامية بما تدعو له من ترفٍ فكري مميت للهمم، وما تتشبث به من أنفة معتلةٍ في عالم الخيال بعيدا عن الواقع.
إن مما يبين خطورة هذه الفتنة ويظهر مدى تأثيرها، أن طائفة ممن ترعرعوا في ظلال الدعوة الوارفة وَوَردوا مناهلها العِذاب، لم يسلموا من سهامها الطائشة، بل أصابتهم وخلفت جراحات لا تزال تنزف، فراموا أسلمة أهل الكفر، والتمسوا لهم العذر، رغم استنكارهم لأعمالهم الشركية، فوقعوا في تناقض كبير، واتبعوا منهجًا بالانتقاد جدير، ومع ذلك نٌكنٌ الاحترام ونَصل حبال المودة لمن منهم أخلص قصده، وبذل في طلب الحق جهدَه، لا لمن منهم بطلت دعواه وأبى إلاٌ اتباع هواه.
إن مما لا شك فيه أن فكر الإرجاء كان له الدور الكبير في إضعاف العزائم وإماتة الهمم وإطفاء جذوة الجهاد واستعادة الأمجاد في نفوس أبناء خير أمة.
لقد كان من دواعي كتابة هذه السطور ظهور صور كثيرة من الشرك في المجتمعات وتخبط كثير من المنتسبين للدعوة - دون بحث ولا دراسة - في تقويم ذلك تخبطًا يصيب دعوة التوحيد في مقاتلها، فأفرط بعضهم وفرط بعض وحاد الفريقان عن سبيل القصد.
نعم إن من الدعاة طائفة آثرت السكوت وعدم الخوض في هذه المسألة لأسباب وهؤلاء نذكر محاسنهم وسبقهم في مجال الدعوة إلى الخير، ولا يدفعنا سكوتهم وكونهم لم يبدوا مواقفهم من عين المسألة إلى إنكار فضلهم أو التقليل من شأنهم، فلهم مزايا عظيمة وأخلاق لا يزالون عليها كريمة.
وإنه ليؤرقني ويَحُز في وجداني وأنا أكتب هذه الورقات أن يظن أنها رد? على العلماء الأخيار وطلبة العلم الأفاضل الذين عذروا بالجهل بشروط معلومة، وبينوا ضابط التمكن من العلم بيانًا واضحًا، متبعين قواعد سليمة وأدلة معتبرة، لاسيما منهم من عرف بالدعوة للخير والسعي لإقامة الدين، فإني لست مؤهلًا للرد عليهم لا علمًا ولا فضلًا ولا مزية، وأهل الدعوة إلى الخير في أمس الحاجة إلى الائتلاف والبعد عن الصراع والاختلاف.
إلا أن ثمة طوائف من تيارات مختلفة توسعت في قولهم واحتجت به في غير موضعه، فعذرت بالجهل من انتسب للإسلام ولو لم ينخلع عن عبادة الأصنام، فوجب البيان.