فهرس الكتاب
وتأمل فيما يقوله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكأنه يقدَّم البراءة إلى الله من منهج الغلو في التكفير، فيقول: (إني من أعظم الناس نهيًا عن أن يُنسب مُعَيَّن إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا عُلم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية، التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى، وإني أقرر أنَّ الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعمُّ الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية، وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا معصية، كما أنكر شريح قراءة من قرأ:"بل عجبتُ ويسخرون" [1] ...(الصافات 12) ، وقال: إنَّ الله لا يعجب، فبلغ ذلك إبراهيم النخعي، فقال: إنما شُريح شاعر يعجبه علمه، كان عبد الله أعلم منه، وكان يقرأ: ..."بل عجبتُ"... وكما نازعت عائشةُ رضي الله عنها وغيرها من الصحابة في رؤية محمد صلى الله عليه وآله وسلم ربَّه، وقالت:"من زعم أنَّ محمدًا قد رأى ربَّه فقد أعظم على الله الفرية" [2] . ومع هذا لا تقول لابن عباس رضي الله عنهما ونحوه من المنازعين لها: إنه مفتر على الله. وكما نازعت في سماع الميت كلامَ الحي، وفي تعذيب الميت ببكاء أهله، وغير ذلك، وقد آل الشر بين السلف إلى الاقتتال، مع اتفاق أهل السنة على أنَّ الطائفتين جميعًا مؤمنتان، وأنَّ الاقتتال لا يمنع العدالة الثابتة لهم، لأنَّ المقاتل وإن كان باغيًا فهو متأول، والتأويل يمنع الفسوق) [3] .
(1) (عجبتُ) : هذه قراءة حمزة والكسائي وخلف، ووافقهم الأعمش. وقرأ الباقون: (عجبتَ) . يُنظر: الميسَّر في القراءات الأربع عشرة للشيخ محمد فهد خاروف ص 446.
(2) أخرجه البخاري (3234) و (4855) و (7380) ، ومسلم (177) (287) و (289) ، وأحمد 6/ 49، والترمذي (3068) و (3278) .
(3) مجموع الفتاوى 3/ 229 - 230.