فإن استمرأت الدماء، وأصررت على استباحتها، فلا تستغربن موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم منك.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا، فوالله لأن أخِرَّ من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإنَّ الحرب خدعة، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سيخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنَّ في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة) .
وفي رواية أخرى: (يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية) [1] .
أيجوز لكم أن تتركوا الظاهر المتفق عليه إلى رأي فلان، وأمر الأمير، وبصيرة الأمير ونحو ذلك ... !
ما حلَّ لموسى- عليه السلام- أن يترك النهي عما يخالف ما يعلم من شرع الله، وإن كان ممن أرسله الله ليتعلم على يديه، وما حلَّ للخضر- عليه السلام- أن يتجاوز الأمر المعلوم إلا بأمر مخصوص من الله، إذ قال في آخر القصة: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} .
فأين أمر الأمير بتجاوز محرمات، وإباحة دماء مقطوع بحرمتها، وتحكيم أخبار مقطوع بكذبها، وشهادات مقطوع بزورها، فهل يا ترى من خصوصية فيكم كالخضر؟ أم أنكم مُحدَّثون كعمر؟
لا تحسبوا أنني ممن يصف العمليات الاستشهادية بالعمليات الانتحارية ... لا، أو تحسبوا أني ممن تغلو عنده النفس فداءً لله تعالى ... لا, لكنَّ الواجب أن تغلو نفوس
(1) أخرجه البخاري (3611) و (5057) و (6930) ، ومسلم (1066) (154) ، وأحمد 1/ 81 و 113 و 131، وأبو داود (4767) و (4768) ، والنسائي 7/ 119.