توسع كثير منكم في الترخص في أنَّ (الحرب خدعة) إلى أن أصبحت الخدعة تعم حتى أخاكم الذي ترسلونه لبعض العمليات الاستشهادية، وأصبحتم مدرسةً لتعليم فن الخداع لمنتسبيها، وتوسعتم في الجرأة على الفتيا بالتحليل والتحريم، فما أسهل الفتيا باستباحة دم مسلم؛ بل جماعات جهادية لمجرد اختلاف معها، وتوسعتم في الاستسلام للأمراء، وقتلتم بعد التأمين، ونسيتم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من أمَّن رجلًا على دمه فقتله، فإنه يحمل لواء غدر يوم القيامة) [1] . بل جاء ما هو أشد من ذلك، فعن عمرو بن الحمق قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أمَّن رجلا على دمه فقتله، فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافرًا) [2] .
ولقد توسعتم كثيرًا في فتوى التترس. وقد جاء عن ابن عباس، أنَّ رجلا أتاه، فقال: أرأيت رجلًا قتل رجلًا متعمدًا؟ قال: جزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا، قال: لقد أنزلت في آخر ما نزل، ما نسخها شيء، حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نزل وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أرأيت إن تاب، وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى، قال: وأنى له بالتوبة، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (ثكلته أمه، رجل قتل رجلًا متعمدًا، يجيء يوم القيامة آخذًا قاتله بيمينه أو بيساره، وآخذًا رأسه بيمينه أو شماله، تشخب أوداجه دمًا في قبل العرش. يقول: يا رب سل عبدك فيم قتلني) [3] .
فأيُّ مجازفةٍ أكبر من هذه ... ؟!
هذا أبو حامد الغزالي رحمه الله الذي استشهدتم بكلماته في كتابكم (إعلام الأنام ... ) يقول: (والذي ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلًا، فإنَّ استباحة دماء
(1) أخرجه أحمد 5/ 223 و 437 و 224، والنسائي في"الكبرى" (8739) و (8740) ، وابن ماجه (2688) . وصححه الألباني وشعيب.
(2) أخرجه الطيالسي (1285) ، وعبدالرزاق (9679) ، والبخاري في تاريخه 3/ 323، وابن أبي عاصم في"الآحاد والمثاني" (2343) و (2344) ، والبزار (2308) ، والطحاوي في"شرح مشكل الآثار" (203) ، وابن حبان (5982) ، والبزار (2308) ، والطبراني بأسانيد كثيرة في معاجمه، وفي"مسند الشاميين"، والبيهقي (18203) ، وحسنه الألباني وشعيب.
(3) أخرجه الحميدي (488) ، وأحمد 1/ 222 و 240 و 294 و 346، وعبد بن حميد (680) ، والنسائي 7/ 85 و 8/ 63، وفي الكبرى (2462) و (7072) ، وابن ماجه (2621) . وصححه الألباني وشعيب.