قال ابن منظور في معنى"تمكَّن": (تقول العرب: إنَّ ابن فلان لذو مكنة من السلطان، أي: تمكن، فيقول: أقروا الطير على كل مكنة ترونها ودعوا التطير منها ... قال ابن سيده: وتمكن من الشيء واستمكن ظفر) [1] .
فهل نستطيع أن نقول إنَّ المجاهدين ظفروا بالأرض أم أنَّ الأرض على أحسن الأحوال وفي مناطق قليلة [2] متنازع عليها، لم يتمكن منها هؤلاء ولا هؤلاء؟ أما الغالبية العظمى من المناطق فالجهاد فيها على نظام حرب العصابات، وليس فيها أدنى تمكين، نسأل الله باسمه الأعظم أن يمكِّن المجاهدين للحكم بشريعته سبحانه.
أما أهل التفسير، فيقول الإمام الطبري عند قوله تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ} : (إنْ وطَّنَّا لهم في البلاد، فقهروا المشركين، وغلبوهم عليها، وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: إن نصرناهم على أعدائهم، وقهروا مشركي مكة، أطاعوا الله) [3] .
لاحظ كلمة"وطنَّا"، وكلمة"غلبوهم عليها"، فلم يقل: غلبوهم فيها، وإنما"غلبوهم عليها"بمعنى أجْلوهم عنها، وقال:"وطَّنَّا"أي أصبحت لهم وطنًا كالبيت، قال ابن منظور: (الوطن: المنزل تقيم به، وهو موطن الإنسان ومحله) [4] . وقال أيضًا: (وتغلَّب على بلد كذا: استولى عليها قهرًا) [5] .
ولذا قال الآلوسي عند قوله تعالى: {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ} : (وأصل التمكين جعل الشيء مكانًا لآخر، والتعبير عن ذلك به للدلالة على كمال ثبات الدين، ورصانة أحكامه، وسلامته عن التغيير والتبديل لابتنائه على تشبيهه بالأرض في الثبات والقرار) [6] .
وتأمل أقوال أئمة التفسير عند قوله تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ} :
(1) لسان العرب 8/ 342.
(2) وهذا في وقت إعلانهم الدولة، أما الآن فالتمكين للزنادقة الصفويين كما لا يخفى، مزَّق الله ملكهم.
(3) جامع البيان 18/ 651.
(4) لسان العرب 9/ 342.
(5) المصدر السابق 6/ 652.
(6) روح المعاني 18/ 302.