المؤمنين فدفْعُ الصدقات إليه جائز برًّا كان أو فاجرًا. وقال في رواية إسحاق بن منصور وقد سئل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم:"من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية" [1] ما معناه؟ فقال: تدري ما الإمام؟ الإمام الذي يجمع عليه المسلمون، كلهم يقول: هذا إمام. فهذا معناه.
والكلام هنا في مقامين: أحدهما: في كون أبي بكر كان هو المستحق للإمامة، وأنَّ مبايعتهم له مما يحبه الله ورسوله، فهذا ثابت بالنصوص والإجماع.
والثاني: أنه متى صار إمامًا فذلك بمبايعة أهل القدرة له، وكذلك عمر لما عهد إليه أبو بكر إنما صار إماما لما بايعوه وأطاعوه، ولو قُدِّر أنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يصر إماما سواء كان ذلك جائزًا أو غير جائز.
فالحل والحرمة متعلق بالأفعال، وأما نفس الولاية والسلطان فهو عبارة عن القدرة الحاصلة، ثم قد تحصل على وجه يحبه الله ورسوله كسلطان الخلفاء الراشدين، وقد تحصل على وجه فيه معصية كسلطان الظالمين.
ولو قُدِّر أنَّ عمر وطائفة معه بايعوه، وامتنع سائر الصحابة عن البيعة لم يصر إمامًا بذلك، وإنما صار إمامًا بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة، ولهذا لم يضر تخلف سعد بن عبادة؛ لأنَّ ذلك لا يقدح في مقصود الولاية، فإنَّ المقصود حصول القدرة والسلطان اللذين بهما تحصل مصالح الإمامة، وذلك قد حصل بموافقة الجمهور على ذلك، فمن قال: إنه يصير إمامًا بموافقة واحد أو اثنين أو أربعة، وليسوا هم ذوي القدرة والشوكة فقد غلط، كما أنَّ من ظنَّ أنَّ تخلف الواحد أو الاثنين والعشرة يضره فقد غلط. وأبو بكر بايعه المهاجرون والأنصار الذين هم بطانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين بهم صار للإسلام قوة وعزة، وبهم قُهر المشركون، وبهم فتحت جزيرة العرب، فجمهور الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين بايعوا أبا بكر، وأما كون عمر أو غيره سبق إلى البيعة فلا بد في كل بيعة من سابق، ولو قُدِّر أنَّ بعض الناس كان كارهًا للبيعة لم يقدح ذلك في مقصودها، فإنَّ نفس الاستحقاق لها ثابت بالأدلة الشرعية
(1) أخرجه أحمد 4/ 96، وأبو يعلى (7375) ، وابن حبان (4573) ، والطبراني 19/ 769. وصححه شعيب الأرنؤوط.