فهرس الكتاب
كلَّ واحد منهم، وأشهر الأئمة بذلك الإمام أحمد، وكلامه في تكفير الجهمية، مع معاملته مع الذين امتحنوه وحبسوه وضربوه مشهور معروف) [1] .
وقال رحمه الله: (والمحفوظ عن أحمد وأمثاله من الأئمة إنما هو: تكفير الجهمية والمشبهة، وأمثال هؤلاء. ولم يكفِّر أحمد"الخوارج"، ولا"القدرية"إذا أقرُّوا بالعلم، وأنكروا خلق الأفعال وعموم المشيئة، لكن حُكي عنه في تكفيرهم روايتان. وأما المرجئة فلا يختلف قوله في عدم تكفيرهم، مع أنَّ أحمد لم يكفِّر أعيان الجهمية، ولا كل من قال: إنه جهمي كفَّره، ولا كل من وافق الجهمية في بعض بدعهم، بل صلَّى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم، وامتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة، لم يُكفِّرهم أحمد وأمثاله، بل كان يعتقد إيمانهم، وإمامتهم، ويدعو لهم، ويرى الإئتمام بهم في الصلوات خلفهم، والحج، والغزو معهم، والمنع من الخروج عليهم ما يراه لأمثالهم من الأئمة. وينكر ما أحدثوه من القول الباطل الذي هو كفر عظيم، وإن لم يعلموا هم أنه كفر، وكان ينكره ويجاهدهم على رده بحسب الإمكان، فيجمع بين طاعة الله ورسوله في إظهار السنة والدين، وإنكار بدع الجهمية الملحدين، وبين رعاية حقوق المؤمنين من الأئمة والأمة، وإن كانوا جهالًا مبتدعين، وظلمة فاسقين) [2] .
وقال رحمه الله: (وإنما كان"أحمد"يُكفِّر الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته؛ لأنَّ مناقضة أقوالهم لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهرة بينة، ولأنَّ حقيقة قولهم تعطيل الخالق، وكان قد ابتُلي بهم حتى عُرِف حقيقة أمرهم، وأنه يدور على التعطيل، وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة، لكن ما كان يكفر أعيانهم، فإنَّ الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقول به، والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو
(1) بغية المرتاد ص 354.
(2) مجموع الفتاوى 7/ 507 - 508.