فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 187

فقط، والذي يُكفِّر مخالفه أعظم من الذي يعاقبه، ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية: إنَّ القرآن مخلوق، وإنَّ الله لا يُرى في الآخرة، وغير ذلك، ويدعون الناس إلى ذلك، ويمتحنونهم ويعاقبونهم إذا لم يجيبوهم، ويكفِّرون من لم يجبهم، حتى أنهم كانوا إذا أمسكوا الأسير لم يطلقوه حتى يقرَّ بقول الجهمية: إنَّ القرآن مخلوق وغير ذلك، ولا يولون متوليًا ولا يعطون رزقًا من بيت المال إلا لمن يقول ذلك، ومع هذا فالإمام أحمد، رحمه الله تعالى، ترحم عليهم واستغفر لهم؛ لعلمه بأنهم لم يُبَيَّن لهم أنهم مُكذِّبون للرسول صلى الله عليه وسلم، ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطئوا، وقلَّدوا من قال لهم ذلك. وكذلك الشافعي لما قال لحفص الفرد، حين قال: القرآن مخلوق: كفرت بالله العظيم. بيَّن له أنَّ هذا القول كفر، ولم يحكم بردة حفص بمجرد ذلك؛ لأنه لم يتبين له الحجة التي يكفر بها، ولو اعتقد أنه مرتد لسعى في قتله) [1] .

وقول شيخ الإسلام:"مع أنَّ أحمد لم يُكفِّر أعيان الجهمية"وقوله:"لكن ما كان يُكفِّر أعيانهم، أي الجهمية"في المقطعين السابقَين يفسِّره قوله رحمه الله في موطن آخر: (وحقيقة الأمر أنهم أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع، كلما رأوهم قالوا: من قال كذا فهو كافر، اعتقد المستمع أنَّ هذا اللفظ شامل لكل من قاله، ولم يتدبروا أنَّ التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وأنَّ تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، يُبيِّن هذا أنَّ الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات، لم يكفِّروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه. فإنَّ الإمام أحمد- مثلًا- قد باشر"الجهمية"الذين دعوه إلى خلق القرآن ونفي الصفات، وامتحنوه وسائر علماء وقته، وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهم، بالضرب، والحبس، والقتل، والعزل عن الولايات،

(1) المصدر نفسه 23/ 348.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت