فهرس الكتاب
وقطع الأرزاق، ورد الشهادة، وترك تخليصهم من أيدي العدو، بحيث كان كثير من أولي الأمر إذ ذاك من الجهمية من الولاة والقضاة، وغيرهم، يكفِّرون كل من لم يكن جهميًّا موافقًا لهم على نفي الصفات، مثل القول بخلق القرآن، ويحكمون فيه بحكمهم في الكافر، فلا يولونه ولاية، ولا يفتكُّونه من عدو، ولا يعطونه شيئًا من بيت المال، ولا يقبلون له شهادة ولا فتيا ولا رواية، ويمتحنون الناس عند الولاية والشهادة والافتكاك من الأسر، وغير ذلك. فمن أقرَّ بخلق القرآن حكموا له بالإيمان، ومن لم يقر به لم يحكموا له بحكم أهل الإيمان، ومن كان داعيًا إلى غير التجهم قتلوه، أو ضربوه وحبسوه. ومعلوم أنَّ هذا من أغلظ التجهم، فإنَّ الدعاء إلى المقالة أعظم من قولها، وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها، والعقوبة بالقتل لقائلها أعظم من العقوبة بالضرب. ثم إنَّ الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره، ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم، وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم؛ فإنَّ الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع، وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق، وإنَّ الله لا يُرى في الآخرة. وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه كفَّر به قومًا معينين، فأما أن يُذكر عنه في المسألة روايتان، ففيه نظر، أو يُحمل الأمر على التفصيل، فيقال: من كفَّره بعينه؛ فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه، ومن لم يكفِّره بعينه؛ فلانتفاء ذلك في حقه، هذا مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم. والدليل على هذا الأصل: الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار) [1] .
وقال رحمه الله: (فنهى عن لعنه مع إصراره على الشرب؛ لكونه يحب الله ورسوله، مع أنه صلى الله عليه وسلم لعن في الخمر عشرة:"لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها"
(1) مجموع الفتاوى 12/ 488 - 489.