فهرس الكتاب
وهكذا يصيب أصحاب المقالات المختلفة، إذا كان كل منهم يعتقد أن الحق معه، وأنه على السنة، فإن أكثرهم قد صار لهم في ذلك هوى أن ينتصر جاههم، أو: رياستهم وما نسب إليهم، لا يقصدون أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، بل: يغضبون على من خالفهم، وإن كان مجتهدًا معذورًا لا يغضب الله عليه.
ويرضون عمن يوافقهم، وإن كان جاهلًا سيء القصد، ليس له علم ولا حسن قصد، فيفضي هذا إلى أن يحمدوا من لم يحمده الله ورسوله، ويذموا من لم يذمه الله ورسوله، وتصير موالاتهم ومعاداتهم على أهواء نفوسهم لا على دين الله ورسوله ... وأصل الدين أن يكون الحب لله، والبغض لله، والموالاة لله، والمعاداة لله، والعبادة لله، والاستعانة بالله.
وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك، ولا يطلبه، ولا يرضى لرضا الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل: يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه.
ويكون مع ذلك له شبهة دين: أن الذي يرضى له ويغضب له أنه السنة، وهو الحق، وهو الدين، فإذا قدر أن الذي معه هو الدين المحض دين الإسلام، ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، بل: قصده الحمية لنفسه وطائفته، أو: الرياء ليعظم هو ويثنى عليه، أو: فعل ذلك شجاعة وطبعًا، أو: لغرض من الدنيا، لم يكن لله، ولم يكن مجاهدًا في سبيل الله، فكيف إذا كان الذي يدعي الحق والسنة هو كنظيره، معه حق وباطل، وسنة وبدعة، ومع خصمه حق وباطل وسنة وبدعة؟ وهذا حال المختلفين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا، وكفَّر بعضهم بعضًا، وفسق بعضهم بعضًا، ولهذا قال الله تعالى فيهم: (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) (سورة البينة، رقم الآية:5) .
وقال تلميذه العلامة ابن القيم-رحمه الله تعالى [1] : (وعلى المتكلم في هذا الباب وغيره: أن يكون مصدر كلامه عن العلم بالحق.
(1) -كما في: (مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين) (3/ 522/523) تحقيق: محمد المعتصم بالله، من منشورات: دار الكتاب العربي، أو: (3/ 590) تحقيق: محمد بن فريد، الدار العالمية للنشر والتوزيع، أو: (5/ 3957) تحقيق: جماعة من المشايخ، من مطبوعات: دار الصميعي للنشر والتوزيع، أو: (4/ 556) تحقيق: عبد العزيز بن ناصر الْجُليِّل، من مطبوعات: دار طيبة.