فهرس الكتاب

الصفحة 614 من 619

فإن التفرد إنما يحتمل من الثقات الحفاظ، لا من الضعفاء والمجروحين ....

ثم قال بعد كلام طويل في تضعيف ابن لهيعة مطلقًا-: فأما إذا كان المتفرد بهذا الإسناد ليس من الثقات، بل: هو سيء الحفظ، مثلُ ابن لهيعة، فإن أهل العلم لا يعبأُون-حينئذ-بانفراده، ولا يترددون في الحكم عليه بالوهم والخطأ).

ثم قال: (كان ابن لهيعة-رحمه الله تعالى-من علماء الإسلام، ومن فقهاء أهل مصر، إلا أنه لم يكن من أهل التثبت في الرواية، فكان يُخطئ إذا حدَّث من حفظه، وكان يُجيز كلَّ ما يُقرأُ عليه، سواء كان من حديثه المطابقِ لما في كتبه، أو: ليس من حديثه، فكثُرت في أحاديثه المناكيرُ مما أُدخِل عليه من حديث غيرِه، فأجازه لمن ألقاه عليه.

وكانت له أصول وكتب، ثم إن كتبه احتَرقت، وقيل: لم تَحتَرق، وإنما كان شأنُ ابن لهيعة في أول أمره وآخره سواءً واحدًا، وأنه كان يُجيز كل ما يُقرأُ عليه من غير أن يَرجع إلى كتبِه وأصولِه.

ومن يقول باحتراقها، يقول: إنَّ من كان يأخذ من أصول ابن لهيعة فسماعه أصح ممن لم يأخذ من أصوله.

فالاختلاف كما ترى شكليٌّ صوريٌّ، لا ينبني عليه اختلاف في الحكم، لأن الجميع متفقون على أن المعتمَد من حديث ابن لهيعة إنما هو الذي حدث به عنه من كان يأخذ من أصوله وكتبه، وأنَّ من كان يأخذ من كتب غيره ثم يقرأُها على ابن لهيعة فيجيزه إياها لا يُعتمَد عليه، ولو كان ابن لهيعة لم تَحترق كتبه.

بيد أن بعض العلماء المتأخرين، ومنهم بعض المعاصرين فهموا من هذا: أن ما رواه العبادلةُ الثلاثةُ عن ابن لهيعة هو صحيح في نفسه، بمعنى أنه مما حفظه ابن لهيعة، ولم يُخطئ فيه، كما هو الحال في المختلِط، أن ما رواه عنه من سمع منه قبل اختلاطه قُبِل، وإلا فلا.

وليس الأمرُ كذلك، وإنما مرادُ هؤلاء العلماء بتفريقهم بين مَن أخَذَ من أصوله ومَن لم يأخذ من أصوله، أنَّ من كان يأخذ من أصوله: حديثُه صحيح، مرادهم: صحة نسبته إلى ابن لهيعةَ، وأنه مِن حديثِه فعلًا، وأنه ثابتٌ عنه، وليس هو من حديث غيره الذي أُدخِل عليه، وأجازه لمن قرأه عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت