فقال: والله ما-أو: لا-حدثتك، فقال: إنما هو درهم، وأنحدر إلى البصرة، وأسمع من التبوذكي، فقال: شأنَك. فانحدر إلى البصرة، وجاء إلى موسى بنِ إسماعيل-التبوذكي-فقال له موسى: لم تسمع هذه الكتبَ عن أحد؟ قال: سمعتها على الوجه من سبعة عشر نفسًا، وأنت الثامن عشر.
فقال: وماذا تصنع بهذا؟ فقال: إن حماد بن سلمة كان يخطئ، فأردت أن أميز خطأه من خطأ غيره، فإذا رأيت أصحابه قد اجتمعوا على شيء، علمتُ أنَّ الخطأ من حماد نفسِه، وإذا اجتمعوا على شيء عنه، وقال واحد منهم بخلافهم، علمت أن الخطأ منه لا من حماد، فأُميز بين ما أخطأ فيه هو بنفسه، وبين ما أخطيء عليه) [1] .
وقيل ليحيى بن معين-رحمه الله تعالى-:(الاختلاف الذي جاء عن يحيى بن أبي كثير، هو منه أو: من أصحابه؟ فقال: من أصحابه، قيل له: من أحبّ إليك في يحيى بن أبي كثير؟ قال: الأوزاعي، وهشام الدستوائي، قيل له: فأبان بن يزيد؟ قال: وأبان بن يزيد، ليس به بأس ... ولذا كان يحيى بن معين يكتب الحديث نيّفًا وخمسين مرة ...
قال عصام بن داود: سمعت يحيى بن معين يقول: وأي صاحب حديث، لا يكتب عن كذاب ألفَ حديث؟ -عنى بذلك النقاد من المحدثين، وليس كل الكُتَّاب).
وقال ابن حبان [2] : (سمعت أحمد بن إسحاق السنيَّ يقول: ورأى أحمد بنُ حنبل يحيى بن معين في زاوية بصنعاء، وهو يكتب صحيفةَ معمر، عن أبان، عن أنس-رضي الله تعالى عنه-فإذا اطَّلَعَ عليه إنسانٌ كتَمه، فقال أحمد-رحمه الله تعالى-له: تكتبُ صحيفةَ مَعْمَر عن أبانَ، عن أنس، وتَعْلَم أنها موضوعة؟! فلو قال لك القائل: أنت تتكلم في أبانَ، ثم تكتب حديثَه على الوجه؟.
(1) -انظر: (المجروحين) (1/ 32) ، أو: (1/ 34/35 - تحقيق: حمدي السلفي) ، و (الإعلام بسنته) (2/ق 99 أ) لمغلطاي، و (المقترب في بيان المضطرب) (ص:100) لأحمد بازمول، وكتابي: (الفوائد الحديثية) (ص:55) .
(2) -انظر: (المجروحين) (1/ 31) -وكذا عن أبي بكر الأثرم-كما في: (علل الترمذي الصغير) (ص:84) ، و (تهذيب الكمال) (31/ 557) .