فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 94

الوجه الثالث عشر: من مفاسد العمل بالحساب إيقاع الأمة في الحرج والعُسر - في صومها وفطرها - الذي رفعه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: « إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ، الشهر هكذا وهكذا وهكذا ، وعقد الإبهام في الثالثة ، يعني تسع وعشرون ، والشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام الثلاثين » رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما .

وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل ، قال تعالى: ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ) (الأعراف:157)

قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: (عَلَّقَ الْحُكْمَ بِالصَّوْمِ وَغَيْره بِالرُّؤْيَةِ لِرَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُمْ فِي مُعَانَاةِ حِسَاب التَّسْيِير وَاسْتَمَرَّ الْحُكْمُ فِي الصَّوْمِ وَلَوْ حَدَثَ بَعْدَهُمْ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ ، بَلْ ظَاهِر السِّيَاقِ يُشْعِرُ بِنَفْيِ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالْحِسَابِ أَصْلًا وَيُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي"فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ"وَلَمْ يَقُلْ فَسَلُوا أَهْلَ الْحِسَابِ ) ا.هـ

وقال الإمام الشاطبي في الموافقات: ( لم يطالبنا بحساب مسير الشمس مع القمر في المنازل لأن ذلك لم يكن من معهود العرب ولا من علومها ، ولدقة الأمر فيه وصعوبة الطريق إليه ، وأجرى لنا غلبة الظن في الأحكام مجرى اليقين ، وعذر الجاهل فرفع عنه الإثم وعفا عن الخطأ إلى غير ذلك من الأمور المشتركة للجمهور فلا يصح الخروج عما حد في الشريعة ولا تطلب ما وراء هذه الغاية فإنها مظنة الضلال ومزلة الأقدام ) ا.هـ

فاليسر هو في طريقة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين المهديين وصحابته ومن تبعهم بإحسان ، وقد أمرنا أن نعض بالنواجذ على سنته وسنة خلفائه وأن نجتنب محدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة ، ولم يعرف عنه ولا عن خلفائه الاستعانة بالحساب مع الرؤية ولا الاستئناس به .

قال أبو العبَّاس القرطبي في شرح الحديث السابق من صحيح مسلم: ( قوله صلى الله عليه وسلم:(( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ) )؛ أي: لم نكلف في تعرف مواقيت صومنا ولا عبادتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة ، وإنما ربطت عبادتنا بأعلام واضحة وأمور ظاهرة يستوي في معرفتها الْحُسَّاب وغيرهم ، ثم تمم هذا المعنى وكمَّله حيث بيَّنه بإشارته بيده ) ا.هـ

والحُسَّاب مختلفون في الكتاب ، مخالفون للكتاب ، يقذفون بالغيب من مكان بعيد ، وسيأتي بيان ذلك مفصلا إن شاء الله تعالى في فصل:

"اضطراب الْحُسَّاب وتناقضهم في إثبات الشهور القمرية وغيرها"، والله الموفق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت