فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 94

الوجه التاسع والثلاثون : الأحكام لا تجب إلا بيقين لا شك فيه ، والرؤية عين يقين ، والحساب شك وظن ، واليقين لا يزول بالشك :

* قال الإمامُ ابنُ عبدِ البرِّ رحمه الله تعالى في شرح حيث ابن عباس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فان غم عليكم فعدوا ثلاثين"قال: ( في حديث ابن عباس هذا من الفقه ... أنَّ اللهَ تعبدَ عبادَهُ في الصوم برؤية الهلالِ لرمضانَ أو باستكمال شعبان ثلاثين يومًا وفيه تأويل لقول الله عز وجل:( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه ) إن شهوده رؤيته أو العلم برؤيته ، وفيه أن اليقين لا يزيله الشك ولا يزيله إلا يقينٌ مثله لأنه صلى الله عليه وسلم أمر الناس ألا يدعوا ما هم عليه من يقين شعبان إلا بيقين ؛ رؤية واستكمال العدة ، وإن الشك لا يعمل في ذلك شيئا ولهذا نهى عن صوم يوم الشك ؛ اطراحا لأعمال الشك ، وإعلامًا أن الأحكامَ لا تجبُ إلا بيقين لا شكَّ فيه ، وهذا أصل عظيم من الفقه أن لا يدع الإنسان ما هو عليه من الحال المتيقنة إلا بيقين من انتقالها ، وقولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يومًا"، يقتضي استكمال شعبان قبل الصيام ، واستكمال رمضان أيضًا ) اهـ . أي إن لم ير الهلالُ بالبصرِ ، لا يعمل بالحساب الفلكي ، ويكمل الشهر ثلاثين يومًا ولا بد .

* قال العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد بن محمد رحمه الله: ( أول الشهر لا يعتبر إلا بيقين . وهذا مطرد من قاعدة الشريعة في العبادات المؤقتة: أنه لا يصح وقوعها إلا في وقتها بيقين تام . ولهذا ربط الله أسبابها بعلامات يقينية لا مدخل للعباد فيها بل هي سنن كونية ثابتة يستوي في معرفتها عموم الخلق: علماء ، وعامة ، وحاضرة ، وبادية . وهذا من أجل أسباب اليسر ورفع الحرج في الشريعة ... الشرع علق الأحكام التعبدية الشهرية على الأهلة بطريقتي اليقين: الرؤية أو الإكمال . وذلك:

1-لسهولته ، ويسر يقينيته .

2-ولأنه لا يدخله الخطأ .

3-ولأن كل نظام سواه الأصل فيه: الخطأ كالحساب فإنه - مع عسرِهِ

وندرة العارف به - يدخله الخطأ كثيرًا .

قال: اليقين في ذلك يتحقق بأمر محسوس: حقيقة أو حكمًا ؛ حقيقة محسوسة بالإهلال ، وفي حكم المحسوسة بالإكمال أي:

1-الهلال بالرؤية البصرية . وهذا أمر محسوس حقيقة .

2-الإكمال لشعبان مثلًا ثلاثين يومًا في حال تعذر الرؤية لغيم ونحوه . وهذا محسوس حكمًا ، يقيني في واقع الحال ، لعصمة التشريع بخبره الصادق والذي هو من سنن الله الكونية: أن الشهر القمري لا ينقص عن (29) يومًا ، ولا يزيد عن (30) يومًا . فالشرع أناط الحكم بأول الشهر بوجود الهلال حقيقة لا بوجوده تقديرًا ، وأن وجوده حقيقة بالرؤية البصرية بالإهلال ، أو بالإكمال . وأنه بأمرٍ لا مدخلَ للعبادِ فيه بل هو سنةٌ كونيةٌ ثابتةٌ . وصاحبُ الشرع أشعر بحصر السبب فيهما ولم ينصب سببًا سواهما . ووجه التيقن بالإكمال أيضًا هو: استصحاب الأصل ، إذ الأصل بقاء الشهر وكماله فلا يترك هذا الأصل إلا ليقين بناء على أن ما ثبت بيقين لا يزول إلا بمثله ) اهـ.

* وسبق في الوجه العشرين: وهو اختلاف الحُسَّاب فيما بينهم اختلافا كثيرًا يرفع الثقة بأقوالهم . و الوجه الخامس والعشرين: وهو الحساب الفلكي لايفيد القطع بل هو ظني والخطأ فيه واقع ومتكرر ؛ ما يؤكد أن الحساب شك وظن ، والصوم لا يجب إلا بيقين لا شك فيه ، والرؤية عين يقين ، واليقين لا يزول بالشك ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت