* وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
طائفة عارضته بعقولهم في الخبريات وقدمت عليه العقل فقالوا لأصحاب الوحي لنا العقل ولكم النقل .
وطائفة عارضته بآرائهم وقياساتهم فقالوا لأهل الحديث لكم الحديث ولنا الرأي والقياس .
وطائفة عارضته بحقائقهم وأذواقهم وقالوا لكم الشريعة ولنا الحقيقة .
وطائفة عارضته بسياساتهم وتدبيرهم فقالوا أنتم أصحاب الشريعة ونحن أصحاب السياسة .
وطائفة عارضته بالتأويل الباطن فقالوا أنتم أصحاب الظاهر ونحن أصحاب الباطن .
ثم إن كل طائفة من هذه الطوائف لا ضابط لما تأتي به من ذلك بل ما تأتي به تبع لأهوائها كما قال تعالى: ( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ) (القصص:50) وقال: ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) (المائدة:49) فما هو إلا الهوى أو الوحي ، كما قال تعالى: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى(3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) ) (النجم:3-4) فجعل النطق نوعين ؛ نطقا عن الوحي ، ونطقا عن الهوى ) ا.هـ
* وقال: ( أهل السنة ... الْمُستَحِقُّون للبشرى في الحياة الدنيا وفي الأخرة ، ونعم الله عليهم باطنة وظاهرة ، وهم أولياء الرسول وحزبه - ومن خرج عن سنته فهم أعداؤه وحربه - لا تأخذهم في نصرة سنته ملامة اللوام ، ولا يتركون ما صح عنه لقول أحد من الأنام ، والسنة أجلُّ في صدورهم من أن يقدموا عليها رأيا فقهيا أو بحثا جدليا أو خيالا صوفيا أو تناقضا كلاميا أو قياسيا فلسفيا أو حكما سياسيا ؛ فمن قدَّمَ عليها شيئا من ذلك فباب الصواب عليه مسدود ، وهو عن طريق الرشاد مصدود ) ا.هـ
* وقال: ( الانقياد لما جاء به الرسول والاستسلام له والإذعان وذلك بثلاثة أشياء:
(الأول) : أن لا يعارض شيئا مما جاء به بشيء من المعارضات الأربعة السارية في العالم المسماة: بالمعقول والقياس والذوق والسياسة ؛
فالأولى: للمنحرفين أهل الكبر من المتكلمين الذين عارضوا نصوص الوحي بمعقولاتهم الفاسدة ، وقالوا: إذا تعارض العقل والنقل: قدمنا العقل وعزلنا النقل إما عزل تفويض وإما عزل تأويل .
والثاني: للمتكبرين من المنتسبين إلى الفقه ، قالوا: إذا تعارض القياس والرأي والنصوص قدمنا القياس على النص ولم نلتفت إليه .
والثالث: للمتكبرين المنحرفين من المنتسبين إلى التصوف والزهد ، فإذا تعارض عندهم الذوق والأمر قدموا الذوق والحال ولم يعبأوا بالأمر . والرابع: للمتكبرين المنحرفين من الولاة والأمراء الجائرين ، إذا تعارضت عندهم الشريعة والسياسة قدموا السياسة ولم يلتفتوا إلى حكم الشريعة . فهؤلاء الأربعة: هم أهل الكبر . والتواضع: التخلص من ذلك كله .
(الثاني) : أن لا يتهم دليلا من أدلة الدين بحيث يظنه فاسد الدلالة أو ناقص الدلالة أو قاصرها أو أن غيره كان أولى منه ، ومتى عرض له شيء من ذلك فليتهم فهمه وليعلم أن الآفة منه والبلية فيه ،كما قيل:
وَكَم مِن عائِبٍ قَولًا صَحيحًا ... وَآفَتُهُ مِنَ الفَهمِ السَقيمِ
ولكن تأخذ الأذهان منه ... على قدر القرائح والفهوم (1)
وهكذا الواقع في الواقع حقيقة: أنه ما اتهم أحد دليلا للدين إلا وكان المتهم هو الفاسد الذهن المأفون في عقله وذهنه . فالآفة من الذهن العليل لا في نفس الدليل . وإذا رأيت من أدلة الدين ما يشكل عليك وينبو فهمك عنه فاعلم أنه لعظمته وشرفه استعصى عليك وأن تحته كنزًا من كنوز العلم ولم تؤت مفتاحه بعدُ ، هذا في حق نفسك ، وأما بالنسبة إلى غيرك: فاتهم آراء الرجال على نصوص الوحي وليكن ردها أيسر شيء عليك للنصوص ، فما لم تفعل ذلك فلستَ على شيء ولو ولو ، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء ؛ قال الشافعي قدس الله روحه: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] لم يحل له أن يدعها لقول أحد .
(الثالث) : أن لا يجد إلى خلاف النص سبيلا ألبتة لا بباطنه ولا بلسانه ولا بفعله ولا بحاله ؛ بل إذا أحس بشيء من الخلاف: فهو كخلاف المقدِمِ على الزنا وشرب الخمر وقتل النفس ، بل هذا الخلاف أعظم عند الله من ذلك ، وهو داع إلى النفاق ، وهو الذي خافه الكبار والأئمة على نفوسهم . واعلم أن المخالف للنص لقول متبوعه وشيخه ومقلده أو لرأيه ومعقوله وذوقه وسياسته ، إن كان عند الله معذورا ، ولا والله ما هو بمعذور ، فالمخالف لقوله لنصوص الوحي أولى بالعذر عند الله ورسوله وملائكته والمؤمنين من عباده .
فواعجبًا إذا اتسع بطلان المخالفين للنصوص لعذر من خالفها تقليدًا أو تأويلا أو لغير ذلك ، فكيف ضاق عن عذر مَنْ خالف أقوالهم وأقوال شيوخهم لأجل موافقة النصوص ، وكيف نصبوا له الحبائل وبغوه الغوائل ورموه بالعظائم وجعلوه أسوأ حالا من أرباب الجرائم ، فرموه بدائهم وانسلُّوا منه لِوَاذًا ، وقذفوه بمصابهم وجعلوا تعظيم المتبوعين ملاذًا لهم ومَعَاذًا ، والله أعلم ) اهـ.
(1) من قصيدة للمتنبي ، مطلعها: (من الوافر)
إِذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومٍ ... فَلا تَقنَعْ بِما دونَ النُجومِ
وفيها: (وَلَكِن تَأخُذُ الآذانُ مِنهُ ... عَلى قَدرِ القَرائِحِ وَالعُلومِ) .