فوائدُ جَليلةٌ في اتباعِ سُنَّةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قال الله عز وجل: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (النور:63) ، وقال تبارك وتعالى: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (الحشر:7) ، وقال سبحانه وتعالى: ( وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) (النساء:14) وقال الله تعالى: ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيما ) (النساء:65)
* قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ( قد أقسم سبحانه بنفسه المقدسة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله [ صلى الله عليه وسلم ] في كل ما شجر بينهم ولا يكفي ذلك في حصول الإيمان حتى يزولَ الحرجُ من نفوسهم بما حكم به في ذلك أيضًا حتى يحصل منهم الرضا والتسليم فقال تعالى:( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيما ) (النساء:65)
فأكد ذلك بضروب من التأكيد:
أحدها: تصدير الجملة المقسم عليها بحرف النفي المتضمن لتأكيد النفي المقسم عليه وهو في ذلك كتصدير الجملة المثبتة بـ"إن".
الثاني: القسم بنفسه سبحانه .
الثالث: أنه أتى بالمقسَمِ عليه بصيغة الفعل الدالة على الحدوث أي لا يقع منهم إيمان ما حتى يحكموك .
الرابع: أنه أتى في الغاية بـ"حتى"دون"إلا"المشعرة بأنه لا يوجد الإيمان إلا بعد حصول التحكيم لأن ما بعد"حتى"يدخل فيما قبلها .
الخامس: أنه أتى المحكم فيه بصيغة الموصول الدالة على العموم وهو قوله: ( فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) أي في جميع ما تنازعوا فيه من الدقيقة والجليلة .
السادس: أنه ضم إلى ذلك انتفاء الحرج وهو الضيق من حكمه .
السابع: أنه أتى به نكرة في سياق النفي أي لا يجدون نوعا من أنواع الحرج البتة .
الثامن: أنه أتى بذكر ما قضى به بصيغة العموم فإنها إما مصدرية أي من قضائك أو موصولة أي من الذي قضيته وهذا يتناول كل فرد من أفراد قضائه .
التاسع: أنه لم يكتف منهم بذلك حتى يضيفوا إليه التسليم وهو قدر زائد على التحكيم وانتفاء الحرج ، فما كل من حكَّم انتفى عنه الحرج ولا كل من انتفى عنه الحرج يكون مسلما منقادًا فإن التسليم يتضمن الرضا بحكمه والانقياد له .
العاشر: أنه أكد فعل التسليم بالمصدر المؤكد .
ونحن نناشد هؤلاء [...] بالله الذي لا إله إلا هو هل يجدون في أنفسهم هذا التسليم والانقياد والتحكيم للنصوص وهل هم مع الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] وما جاء به بهذه المنزلة ، فوالله إن قلوبهم وألسنتهم وكتبهم لتشهد عليهم بضد ذلك كما يشهد به عليهم المؤمنون والملائكة وأولوا العلم والله سبحانه ، وكفى بالله شهيدا ) ا.هـ
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله:( أَقْسَمَ اللهُ تعالى بربوبيته لرسوله صلى الله عليه وسلم التي هي أخص ربوبية قسمًا مؤكدًا على أن لا إيمان إلا بأن نحكم النبي صلى الله عليه وسلم في كل نزاع بيننا ، وأن لا يكون في نفوسنا حرج وضيق مما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن نسلم لذلك تسليمًا تامًّا بالانقياد الكامل والتنفيذ .
وتأمل كيف أكد التسليم بالمصدر فإنه يدل على أنه لابد من تسليم تام لا انحراف فيه ولا توان .
وتأمل أيضًا المناسبة بين المقسم به والمقسم عليه ، فالمقسم به ربوبية الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ، والمقسم عليه هو عدم الإيمان إلا بتحكيم النبي صلى الله عليه وسلم تحكيمًا تامًّا يستلزم الانشراح والانقياد والقبول ، فإن ربوبية الله لرسوله تقتضي أن يكون ما حكم به مطابقًا لما أذن به ربه ورضيه ، فإن مقتضى الربوبية الخاصة بالرسالة أن لا يُقِرَّهُ على خطأ لا يرضاه له )ا.هـ