فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 94

أما إذا كان بالسماء غيم ليلة الثلاثين: فجمهور الفقهاء يرون إكمال العدة ثلاثين ؛ عملا بحديث: ( فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ) ، وبهذا تفسر الرواية الأخرى الواردة بلفظ: ( فاقدروا له ) . وذهب الإمام أحمد في رواية أخرى عنه، وبعض أهل العلم إلى اعتبار شعبان في حالة الغيم تسعة وعشرين يوما احتياطا لرمضان، وفسروا رواية: ( فاقدروا له ) بضيقوا ، أخذًا من قوله تعالى: ( وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ) "سورة الطلاق الآية 7"أي: ضُيِّق عليه رزقه .

وهذا التفسير مردود بما صرحت به رواية الحديث الأخرى الواردة بلفظ: (فاقدروا له ثلاثين ) ، وفي رواية أخرى: ( فأكملوا عدة شعبان ثلاثين ) .

وحكى النووي في شرحه على صحيح مسلم لحديث: ( فإن غم عليكم فاقدروا له ) عن ابن سُرَيْجٍ وجماعة ، ومنهم مُطَرِّف بن عبد الله - أي: ابن الشخير - وابن قتيبة وآخرون ؛ اعتبار قول علماء النجوم في إثبات الشهر القمري ابتداء وانتهاء ، أي: إذا كان في السماء غيم .

وقال ابن عبد البر: ( روي عن مطرف بن الشخير، وليس بصحيح عنه ، ولو صح ما وجب اتباعه ؛ لشذوذه فيه ، ولمخالفة الحجة له ، ثم حكى عن ابن قتيبة مثله ، وقال: ليس هذا من شأن ابن قتيبة ، ولا هو ممن يعرج عليه في مثل هذا الباب . ثم حكى عن ابن خويز منداد أنه حكاه عن الشافعي ، ثم قال ابن عبد البر: والصحيح عنه في كتبه وعند أصحابه وجمهور العلماء خلافه ) . انتهى .

وبهذا يتضح: أن محل الخلاف بين الفقهاء إنما هو في حال الغيم وما في معناه . وهذا كله بالنسبة للعبادات ، أما بالنسبة للمعاملات فللناس أن يصطلحوا على ما شاءوا من التوقيت .

رابعا:

أن المعتبر شرعا في إثبات الشهر القمري هو رؤية الهلال فقط دون حساب سير الشمس والقمر لما يأتي:

أ - أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصوم لرؤية الهلال والإفطار لها في قوله: ( صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ) ، وحصر ذلك فيها بقوله: ( لا تصوموا حتى تروه ، ولا تفطروا حتى تروه ) ، وأمر المسلمين إذا كان غيم ليلة الثلاثين أن يكملوا العدة ، ولم يأمر بالرجوع إلى علماء النجوم ، ولو كان قولهم أصلا _ وحده أو أصلا آخر في إثبات الشهر _ لأمر بالرجوع إليهم ، فدل ذلك على أنه لا اعتبار شرعا لما سوى الرؤية ، أو إكمال العدة ثلاثين في إثبات الشهر، وأن هذا شرع مستمر إلى يوم القيامة ، (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ) "سورة مريم الآية 64".

*** ودعوى أن الرؤية في الحديث يراد بها العلم أو غلبة الظن _ بوجود الهلال أو إمكان رؤيته لا التعبد بنفس الرؤية _ مردودة ؛ لأن الرؤية في الحديث متعدية إلى مفعول واحد ، فكانت بصرية لا علمية ، ولأن الصحابة فهموا أنها رؤية بالعين ، وهم أعلم باللغة ومقاصد الشريعة ، وجرى العمل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهدهم على ذلك ، ولم يرجعوا إلى علماء النجوم في التوقيت .

*** ولا يصح أيضا أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: ( فإن غم عليكم فاقدروا له ) أراد أمرنا بتقدير منازل القمر لنعلم بالحساب بدء الشهر ونهايته ؛ لأن هذه الرواية فسرتها رواية: ( فاقدروا له ثلاثين ) وما في معناه، ومع ذلك فالذين يدعون إلى توحيد أوائل الشهور يقولون بالاعتماد على حساب المنازل في الصحو والغيم ، والحديث قيد القدر له بحالة الغيم .

ب - أن تعليق إثبات الشهر القمري بالرؤية يتفق مع مقاصد الشريعة السمحة ؛ لأن رؤية الهلال أمرها عام يتيسر لأكثر الناس ، بخلاف ما لو علق الحكم بالحساب فإنه يحصل به الحرج ويتنافى مع مقاصد الشريعة ، ودعوى زوال وصف الأمية في علم النجوم عن الأمة لو سلمت لا يغير حكم الشرع في ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت