وراحته من حمل كُلَفَها وثقل حملها، مع عجزه عنها، وجهله بوجوه المصالح فيها، وعلمه بكمال علم من فوَّض إليه، وقدرته وشفقته.
فإذا وضع قدمه في هذه الدرجة، انتقل منها إلى درجة"الرضا".
وهي ثمرة التوكل، ومن فسَّر التوكل بها. فإنما فسَّره بأجلِّ ثمراته وأعظم فوائده. فانه إذا توكل حق التوكل رضي بما يفعله وكيله.
وكان شيخنا - رضي الله عنه - يقول: المقدور يكتنفه أمران: التوكل قبله، والرضا بعده. فمن توكَّل على الله قبل الفعل، ورضي بالمقضي له بعد الفعل، فقد قام بالعبودية، أو معنى هذا.
قلت: وهذا معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعاء الاستخارة: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم) فهذا توكل وتفويض. ثم قال: (فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب) فهذا تبرؤ إلى الله من العلم والحَوْل والقوة، وتوسل إليه سبحانه بصفاته التي هي أحب ما توسل إليه بها المتوسلون. ثم سأل ربه أن يقضي له ذلك الأمر إن كان فيه مصلحته عاجلًا، أو آجلًا، وأن يصرفه عنه إن كان فيه مضرَّته عاجلًا أو آجلًا. فهذا هو حاجته التي سألها. فلم يبق عليه إلا الرضا بما يقضيه له. فقال: (واقدر لي الخير حيث كان. ثم رضِّني به) .
فقد اشتمل هذا الدعاء على هذه المعارف الإلهية، والحقائق الإيمانية، التي من جملتها: التوكل والتفويض، قبل وقوع المقدور. والرضا بعده، وهو ثمرة التوكل، والتفويض علامة صحته، فإن لم يرض بما قضى له، فتفويضه معلول فاسد.
فباستكمال هذه الدرجات يستكمل العبد مقام التوكل، وتثبت قدمه فيه"."
قال العلامة ابن القيم:
"وكثيرًا ما يشتبه في هذا الباب المحمود الكامل بالمذموم الناقص. فيشتبه"