الصفحة 20 من 50

وإنما اختار لفظ الإبانة دون الإثبات، لأن القياس مظهر للحكم لا مثبت.

وذكر مثل الحكم ومثل العلة احترازا عن لزوم العقل بانتقال الأوصاف.

واختار لفظ المذكورين ليشما القياس بين الموجودين وبين المعدومين.

قوله: بالرأي، متعلق بالإبانة، واحترازا عن دلالة النص، لأن المراد بالرأي الاجتهاد.

اعلم أن القياس إما جلي، وهو ما قطع فيه بنفي الفارق، كقياس الأمة على العبد في تقديم حصة الشريك على شريكه المعتق الموسر وعتقها عليه.

وإما خفي، وهو ما يحتمل الفارق، كقياس القتل بمثقل على القتل بمحدد في وجوب القصاص.

وقد قال أبو حنيفة بعدم وجوبه في المثقل، فالخفي يسمى بالاستحسان، لكنه أعمّ من القياس الخفي، فإن كل قياس خفي استحسان، وليس كل استحسان قياسا خفيا، لأن الاستحسان قد يطلق على ما ثبت بالنص والإجماع والضرورة، لكن في الأغلب إذا ذكر الاستحسان يراد به الخفي.

ووجه حصر الأدلة في الأربعة أن ما هو حجة في حقنا إما وحي أو لا. والوحي إن كان متلوا فهو الكتاب، وإلا فهو السنة. وغير الوحي إما باتفاق الآراء أو لا، الأول الإجماع، والثاني القياس.

وأما شرائع من قبلنا، والتعامل، وقول الصحابي، والاستصحاب، والتحري، والأخذ بالاحتياط بقوله - عليه الصلاة والسلام: «دَعْ مَا يَرِيْبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيْبُكَ» ، والقرعة لتطييب القلب، فكلها راجعة إلى الأربعة، والعمل بالظاهر أو الأظهر عمل بالاستصحاب.

وزاد بعضهم الاستدلال، وهو دليل ليس بنص ولا إجماع، ولا قياس، فيدخل فيه القياس الاقتراني والاستثنائي، وهما نوعان للقياس المنطقي المعرف بأنه قول مؤلف من قضايا متى سلمت لزم عنه لذاته قول آخر، كما ذكره المحلي.

قال شارح التحرير: من قال إن الدليل مفرد، وأدخل الاستدلال في مسمى الدليل كابن الحاجب والآمدي فإنهما ذكرا من أقسام الدليل السمعي الاستدلال زيادة على الكتاب والسنة والإجماع والقياس ذاهل، لأن التركيب لازم في التلازم، وهو من أقسام الاستدلال، فإن حاصله تركيب اقتراني أو استثنائي، وأيّاما كان فهو مركب، فبعض الدليل حينئذ مركب، وقد كان كله مفردا. ا. هـ.

ولذا قال الشيخ البناني عند قول المحلي: فيدخل فيه القياس الاقتراني .. إلخ ما نصه: هذا بناء على أن الدليل المأخوذ في التعريف هنا أعم من الدليل اصطلاحا المتقدم تعريفه بقول المصنف.

والدليل: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه .. إلخ فالدليل عند الأصوليين بسيط، بخلافه عند المناطقة. ولعل هنا اصطلاحا آخر للأصوليين. ا. هـ.

إذا عرفت أن أصول الفقه الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فأبيّن لك أن الثلاثة الأول أصول مطلقة، لأن كل واحد منها مثبت للحكم، أما القياس فهو أصل من وجه، لأنه أصل بالنسبة إلى الحكم، وفرع من وجه، لأنه فرع بالنسبة إلى الثلاثة الأول، إذ العلة في القياس مستنبطة من موارد الكتاب والسنة والإجماع، فيكون الحكم الثابت بالقياس ثابتا بتلك الأدلة.

وأيضا القياس ليس بمثبت، بل هو مظهر، كما تقدم، ولذا قال صاحب المرآة: القياس حجة أي دليل مظهر بالكتاب والسنة والإجماع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت