حظ عظيم، نظر هؤلاء إلى من فوقهم فتمنوا أن يكونوا مثل قارون في غناه وأبهته، ونسوا أن للّه في خلقه شئونا، وأن السعادة والخير ليس في المال الكثير، والجاه العريض، وإنما الخير والسعادة شيء وراء ذلك كله، ما دام العبد موصولا بربه، راضيا مرضيّا، ولقد عالج القرآن هذا الداء علاجا حاسما لأن الحق - تبارك وتعالى - يعلم خطره، إذ من يمد عينيه إلى مال غيره ويتمناه، يعود وقد امتلأ قلبه حسدا وحقدا، وناهيك بهذه الأخطار التي ينشأ عنها معظم الجرائم: اقرأ معى قوله - تعالى - لنبيه الكريم وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى [طه 132] .
أما الفريق الثاني فيقول ناصحا لأصحابه: ويلكم [هذه كلمة زجر] ثواب اللّه خير لمن آمن وعمل صالحا فالسعادة فيه، والخير لصاحبه إذ هو دائم، لا تعب معه ولا ضرر فيه، وهذا المال مصدر تعب وشقاء لصاحبه في الواقع ونفس الأمر كما نشاهد ذلك عند أغلب الأغنياء.
ولا يلقّاها إلّا الصابرون، أى: ولا يلقى هذه الحقائق ويعمل بها إلا الصابرون، ولا شك أن هذه الحقائق هي الإيمان والعمل الصالح، وإدراك ما يوصل إلى خيرى الدنيا والآخرة.
وقد جاءت نهاية قارون مؤيدة لما ذهب إليه أهل العلم والبصر بالدنيا والآخرة فخسف اللّه بقارون وبداره وبماله وبجموعه الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه من دون اللّه، ويمنعون عنه بأس اللّه وبطشه، حيث لم يعمل عملا صالحا يقربه إلى ربه، ولم يحصن ماله بالصدقة والزكاة، ولم يتقرب إلى اللّه وإلى الناس بترك الكبر والغرور والغطرسة، ولهذا كله كانت النتيجة أن ضاعت دنياه، وخسف اللّه به الأرض، واللّه على كل شيء قدير، وبعباده خبير بصير، وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون:
وى [كلمة تفيد معنى التعجب] كأن اللّه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، نعم، اللّه وحده هو الذي يعطى ويمنع ويبسط الرزق لمن يشاء ويقتر، فلم يعط إنسانا لعقله وعلمه، ولم يحرم آخر لجهله وسوء رأيه، بل الأمر كله للّه، وإذا كان كذلك