لم يُفصحِ الشيخان عن شرط شرطاه أو عيناه زيادة على الشروط المتفق عليها في الصحيح،لكن الباحثين من العلماء ظهر لهم من التتبع والاستقراء،لأساليبهما ما ظنه كل منهم أنه شرطهما أو شرط واحد منهما.
وأحسنُ ما قيل في ذلك أن المراد بشرط الشيخين أو أحدهما أن يكون الحديث مرويًا من طريق رجال الكتابين أو أحدهما مع مراعاة الكيفية التي التزمها الشيخان في الرواية عنهم [2] .
(1) - *وفي تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 32)
وأعجب من ذلكَ ما ذَكَرهُ الميانجي في كتاب «ما لا يسع المُحدِّث جهله» : شرط الشَّيخين في «صحيحهما» أن لا يدخُلا فيه إلاَّ ما صَحَّ عندهما, وذلكَ ما رواهُ عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - اثنان فصَاعدًا, وما نقلهُ عن كلِّ واحد من الصَّحابة أربعة من التَّابعين فأكثر, وأن يَكُون عن كلِّ واحد من التابعين أكثر من أربعة. انتهى.
قال شيخ الإسْلام (54) : وهو كلام من لم يُمارس «الصَّحيحين» أدْنَى مُمَارسة, فلو قال قائل: ليس في الكتابين حديث واحد بهذه الصِّفة لما أبعد.
وقال ابن العَرَبي في «شرح الموطأ» : كان مذهب الشَّيخين أنَّ الحديث لا يثبت حتَّى يرويه اثنان, قال: وهو مذهب باطل, بل رواية الواحد عن الواحد صحيحة إلى النَّبي - صلى الله عليه وسلم - .
وقال في «شرح البُخاري» عند حديث «الأعمال...» : انفرد به عُمر, وقد جاء من طريق أبي سعيد, رواه البزَّار بإسْنَاد ضعيف.
قال: وحديث عُمر وإن كان طريقه واحدا وإنَّما بنى البُخَاري كتابه على حديث يرويه أكثر من واحد, فهذا الحديث ليسَ من ذلك الفن, لأنَّ عُمر قاله على المنبر بمحضر الأعيان من الصحابة, فصَار كالمُجْمع عليه, فكأنَّ عمر ذكَّرهم, لا أخبر.
قال ابن رُشيد: وقد ذكر ابن حبَّان في أوَّل «صحيحه» (55) : أنَّ ما ادَّعاه ابن العربي وغيره, من أنَّ شرط الشَّيخين ذلكَ مُستحيل الوجود.
قال: والعَجَب منه كيف يدَّعي عليهما ذلك, ثمَّ يزعم أنَّه مذهب باطل, فليت شعري من أعلمه بأنَّهما اشترطا ذلك, إن كان منقولًا فليُبين طريقه ليُنظر فيها, وإن كان عرفه بالاستقراء فقد وهم في ذلك, ولقد كان يكفيه في ذلك أوَّل حديث في البُخاري, وما اعتذر به عنه فيه تقصير, لأنَّ عمر لم ينفرد به وحده, بل انفرد به عَلْقمة عنه, وانفرد به محمَّد بن إبراهيم, عن علقمة, وانفرد به يحيى بن سعيد, عن محمد, وعن يحيى تعددت رُواته.
وأيضًا: فكون عُمر قاله على المنبر لا يستلزم أن يَكُون ذكَّر السَّامعين بما هو عندهم, بل هو مُحتمل للأمرين, وإنَّما لم يُنكروه لأنَّه عندهم ثقة, فلو حدَّثهم بما لم يسمعُوه قط, لم يُنكروا عليه.
(2) - *وفي تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 82) :
ألَّف الحَازمي كتابًا في شُروط الأئمة, ذكر فيه شرط الشَّيخين وغيرهما فقال (195) : مذهب من يُخرِّج الصَّحيح أن يُعتبر حال الرَّاوي العدل في مشايخه, وفيمن روى عنهم وهم ثقات أيضًا, وحديثه عن بعضهم صحيح ثابت, يلزمه إخراجه, وعن بعضهم مدخول لا يصح إخراجه إلاَّ في الشَّواهد والمُتَابعات, وهذا باب فيه غموض, وطريقه معرفة طباق الرُّواة عن راوي الأصل, ومراتب مداركهم.
ولنُوضح ذلك بمثال: وهو أن تعلم أنَّ أصحاب الزُّهْري مثلا على خمس طبقات, ولكلِّ طبقة منها مزية على الَّتي تليها وتفاوت:
فمن كان في الطَّبقة الأولى فهي الغاية في الصِّحة, وهو غاية قصد البُخَاري, كمالك, وابن عُيينة, ويُونس, وعقيل الأيْلِيَّين, وجماعة.
والثانية شاركت الأولى في العَدَالة, غير أنَّ الأولى جمعت بين الحِفْظ والإتْقَان وبين طُول المُلازمة للزُّهري, بحيث كان منهم من يُلازمه في السَّفر, ويُلازمه في الحَضَر, كالليث بن سعد, والأوزاعي, والنُّعمان بن راشد, والثانية لم تُلازم الزُّهْري إلا مُدَّة يَسِيرة, فلم تُمارس حديثه, وكانوا في الإتقان دون الطَّبقة الأولى, كجعفر بن بُرْقَان, وسفيان بن حُسين السُّلمي, وزمعة بن صالح المَكِّى, وهم شرط مسلم.
والثالثة: جماعة لزمُوا الزُّهْري, مثل أهل الطَّبقة الأولى, غير أنَّهم لم يَسْلمُوا من غوائل الجرح, فهم بين الرَّد والقَبُول كمُعَاوية بن يحيى الصَّدَفي, وإسْحاق بن يحيى الكَلْبي, والمُثنى بن الصَّباح, وهم شرط أبي داود, والنَّسائي.
والرابعة: قومٌ شَاركوا الثَّالثة في الجرح والتَّعديل, وتفرَّدُوا بقلَّة مُمارستهم لحديث الزُّهْري, لأنَّهم لم يُلازموه كثيرًا, وهم شرط التِّرمذي.
والخامسة: نفرٌ من الضُّعفاء والمجهولين لا يَجُوز لمن يخرج الحديث على الأبواب أن يُخرج حديثهم إلاَّ على سبيل الاعتبار والاستشهاد عند أبي داود, فمن دُونه, فأمَّا عند الشَّيخين فلا.