فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 317

البِدْعَةُ[1]

1-تعريفها:

أ) لغة: هي مصدر من"بَدَعَ"بمعنى"أَنْشَأَ"كابتداع [2] .

ب) اصطلاحًا: الحدث في الدين بعد الإكمال،أو ما اسْتُحْدِثَ بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأهواء والأعمال . [3]

2-أنواعها [4] :

(1) - وهي السبب التاسع من أسباب الطعن في الراوي .

(2) - *تاج العروس - (ج 1 / ص 5092) ولسان العرب - (ج 8 / ص 6)

(3) -* كما في صحيح البخارى برقم (2697 ) ومسلم برقم (4589 ) عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَنْ أَحْدَثَ فِى أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ » .

(4) -* ففي تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 255-257)

[السَّابعة: من كُفِّر ببدعته] وهو كما في «شرح المُهذَّب» للمُصنِّف: المُجسِّم ومُنكر علم الجُزئيات.

قيل: وقائل خلق القرآن, فقد نصَّ عليه الشَّافعي, واختارهُ البَلْقيني, ومنع تأويل البَيْهقي له بكُفْران النِّعمة, بأنَّ الشَّافعي قال ذلك في حقِّ حفص القرد, لمَّا أفتى بضرب عُنقهِ, وهذا رادٌّ للتأويل.

[لم يُحتج به بالاتِّفاق] قيل: دعوى الاتِّفاق ممنوعة, فقد قيل: إنَّه يُقبل مُطْلقًا.

وقيل: يقبل إن اعتقد حُرْمة الكَذب, وصحَّحه صاحب «المحصول» .

وقال شيخ الإسْلام: التَّحقيق أنَّه لا يُرد كل مُكَفر ببدعته, لأنَّ كل طائفة تَدَّعي أنَّ مُخَالفتها مُبْتدعة, وقد تُبَالغ فتُكَفِّر مُخَالفيها, فلو أُخذ ذلكَ على الإطْلاق لاسْتلزم تكفير جميع الطَّوائف, والمُعتمد: أنَّ الَّذي تُرد رِوَايته من أنكرَ أمرًا مُتواترًا من الشَّرع, معلومًا من الدِّين بالضَّرورة, أو اعتقد عكسهُ, وأمَّا من لم يكن كذلك, وانْضَمَّ إلى ذلك ضبطه لِمَا يرويه مع ورعهِ وتقواهُ, فلا مَانع من قَبُوله.

[ومن لم يُكفر] فيه خلافٌ.

[قيل: لا يُحتجُّ به مُطْلقًا] ونسبهُ الخَطيب لمالك, لأنَّ في الرِّواية عنهُ تَرْويجًا لأمره وتنويهًا لذكره, ولأنَّه فاسقٌ ببدعته, وإن كان مُتأولًا يُرد كالفاسق بلا تأويل, كمَا استوى الكافر المُتأوِّل وغيره.

[وقيل: يُحتجُّ به إن لم يَكُن مِمَّن يستحل الكذب في نُصْرةِ مَذْهبه, أو لأهل مَذْهبه] سواء كان داعية أم لا, ولا يُقبل إنْ استحلَّ ذلك.

وحُكي عن الشَّافعيِّ, وقيلَ: يُحتجُّ به إن لَمْ يَكُن دَاعية إلى بِدْعته, ولا يُحتجُّ به إن كانَ دَاعيةً, وهذا هو الأظْهَرُ الأعْدلُ, وقولُ الكثير أو الأكْثر, وضُعِّف الأوَّل باحتجاجِ صاحبي «الصَّحيحين» وغيرِهمَا بكثيرٍ من المُبْتدعة غير الدُّعَاة.

[وحُكي] هذا القول [عن الشَّافعي] حَكَاهُ عنهُ الخطيب في «الكِفَاية» لأنَّه قال: أقبلُ شهادة أهل الأهواء, إلاَّ الخَطَّابية, لأنَّهم يرون الشَّهادة بالزُّور لمُوافقيهم.

قال: وحُكي هذا أيضًا عن ابن أبي ليلى والثَّوري والقاضي أبي يوسف.

[وقيل: يُحتجُّ به إن لم يكن داعية إلى بدعته, ولا يُحتجُّ به إن كان دَاعيةً] إليها, لأنَّ تزيين بِدْعته قد تحمله على تحريف الرِّوايات وتَسْويتها على ما يقتضيه مَذْهبهُ.

[وهذا] القول [هو الأظْهر الأعْدل, وقول الكثير, أو الأكثر] من العُلماء.

[وضعَّف] القول [الأوَّل باحتجاج صاحبي «الصَّحيحين» وغيرهما بكثير من المُبْتدعة غير الدُّعَاة] كعِمْران بن حِطَّان, وداود بن الحُصَين.

قال الحاكم: وكتاب مسلم ملآن من الشيعة.

وقد ادَّعى ابن حبَّان الاتِّفاق على ردِّ الدَّاعية وقَبُول غيره بلا تفصيل.

تنبيهات:

الأوَّل: قيَّد جَمَاعة قَبُول الدَّاعية بما إذا لم يرو ما يُقوِّي بِدْعتهُ, صرَّح بذلك الحافظ أبو إسحاق الجَوْزجَاني, شيخ أبي داود والنَّسائي, فقال في كتابه «معرفة الرَّجال» : ومنهم زَائغٌ عن الحقِّ - أي: عن السُّنة - صادق اللَّهجة, فليسَ فيه حيلة, إلاَّ أن يُؤخذ من حديثه ما لا يَكُون مُنْكرًا, إذا لم يقو به بِدْعته. وبه جَزَم شيخ الإسْلام في «النُّخبة» .

وقال في شرحها: ما قاله الجَوْزجَاني مُتَّجه, لأنَّ العِلَّة الَّتي بها ردَّ حديث الدَّاعية واردة فيما إذا كان الظَّاهر المَرْوي يُوافق مَذْهب المُبْتدع, ولو لم يكن داعية.

الثَّاني: قال العِرَاقي: اعْتُرض عليه بأنَّ الشَّيخين أيضًا احتجَّا بالدُّعَاة, فاحتجَّ البُخَاري بعمران بن حِطَّان, وهو من الدُّعَاة, واحتجَّا بعبد الحميد بن عبد الرَّحمن الحِمَّاني, وكان داعية إلى الإرجاء.

وأجابَ بأنَّ أبا داود قال: ليسَ في أهلِ الأهواء أصح حديثًا من الخوارج, ثمَّ ذكر عمران بن حِطَّان, وأبا حسَّان الأعرج, قال: ولم يُحتج مسلم بعبد الحميد, بل أخرجَ له في المُقدمة, وقد وثَّقهُ ابن معين.

الثَّالث: الصَّواب أنَّه لا تُقبل رواية الرَّافضة وساب السَّلف, كما ذكره المُصنِّف في «الرَّوضة» في باب القَضَاء في مسائل الإفتاء, وإن سكتَ في باب الشَّهادات عن التَّصريح باستثنائهم, إحالة على ما تقدَّم, لأنَّ سباب المُسْلم فُسوق, فالصَّحابة والسَّلف من باب أولى.

وقد صرَّح بذلكَ الذَّهبي في «الميزان» فقال: البدعة على ضَرْبين: صُغرى, كالتَّشيع بلا غُلو, أو بغلو, كمن تكلَّم في حقِّ من حارب عليًّا, فهذا كثير في التَّابعين وتابعيهم مع الدِّين والورع والصِّدق, فلو رُدَّ حديث هؤلاء, لذهب جُملة من الآثار النَّبوية, وهذه مَفْسدة بينة.

ثمَّ بِدْعة كُبرى, كالرَّفض الكامل, والغُلو فيه, والحط على أبي بكر وعُمر, والدُّعاء إلى ذلكَ, فهذا النَّوع لا يُحتجُّ بهم ولا كَرَامة.

وأيضًا فما أستحضرُ الآن في هذا الضَّرب رَجُلا لا صادقًا, ولا مأمونا, بل الكذب شعارهم, والتَّقية والنِّفاق دثارهم. انتهى.

وهذا الَّذي قاله هو الصَّواب الَّذي لا يحل لمسلم أن يعتقد خلافه.

وقال في موضع آخر: اختلف النَّاس في الاحتجاج برواية الرَّافضة على ثلاثة أقوال: المنع مُطلقًا, والتَّرخص مُطلقًا, إلاَّ من يكذب ويضع, والثَّالث التَّفصيل بين العَارف بما يحدث وغيره.

وقال أشْهب: سُئلَ مالك عن الرَّافضة, فقال: لا تُكلموهم ولا ترووا عنهم.

وقال الشَّافعي: لم أر أشهد بالزُّور من الرَّافضة.

وقال يزيد بن هارون: يُكتب عن كلِّ صاحب بِدْعة إذا لم يَكُن داعية, إلاَّ الرَّافضة.

وقال شَريك: احمل العلم عن كلِّ من لقيت إلاَّ الرَّافضة.

وقال ابن المُبَارك: لا تُحدِّثوا عن عَمرو بن ثابت, فإنَّه كان يسب السَّلف.

الرَّابع: من المُلْحق بالمُبْتدع من دأبه الاشْتغال بعلوم الأوائل, كالفَلْسفة والمَنْطق, صرَّح بذلك السَّلفي في معجم السفر, والحافظ أبو عبد الله بن رشيد في رحلته.

فإن انضمَّ إلى ذلك اعتقاده, بما في عِلْم الفَلْسفة, من قِدَم العالم ونحوه فكافر, أو لما فيها مِمَّا ورد الشَّرع بخلافه, وأقامَ الدَّليل الفاسد على طريقتهم, فلا نأمن ميله إليهم.

وقد صرَّح بالحطِّ على من ذكر, وعدم قَبُول روايتهم وأقوالهم, ابن الصَّلاح في فتاويه, والمُصنِّف في «طبقاته» وخلائق من الشَّافعية, وابن عبد البر, وغيره من المالكية, خُصوصًا أهل المغرب, والحافظ سراج الدين القزويني, وغيره من الحَنفية, وابن تيمية, وغيره من الحنابلة, والذَّهبي لهجَ بذلك في جميع تصانيفه.

وانظر قواعد التحديث للقاسمي - (ج 1 / ص 163-164) ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 26) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 433)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت