فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 317

ويسميها أكثر المحدثين"عَرْضًا"

صورتها: أن يقرأ الطالب والشيخ يسمع [1] ،سواء قرأ الطالب،أو قرأ غيره وهو يسمع،وسواء كانت القراءة من حفظ أو من كتاب،وسواء كان الشيخ يُتَبِّعُ للقارئ من حفظه أو أمسك كتابه هو،أو ثقة غيره .

حكم الراوية بها: الراوية بطريق القراءة على الشيخ رواية صحيحة بلا خلاف في جميع الصور المذكورة إلا ما حُكي عن بعض من لا يعتد به من المتشددين

رتبتها: اختلف في رتبتها على ثلاثة أقوال .

مساوية للسماع: رُوي عن مالك والبخاري،ومعظم علماء الحجاز والكوفة

أدنى من السماع: روي عن جمهور أهل المشرق"وهو الصحيح".

أعلى من السماع: روي عن أبي حنيفة وابن أبي ذئب،ورواية عن مالك.

د) ألفاظ الأداء:

1-الأحوط:"قرأت على فلان"أو"قرئ عليه وأنا أسمع فأقرَّ به".

2-ويجوز: بعبارات السماع مقيدة بلفظ القراءة كـ"حدثنا قراءة عليه".

3 -الشائع الذي عليه كثير من المحدثين: إطلاق لفظ"أخبرنا"فقط دون غيرها.

3-الإجازة [2] :

(1) - المراد بذلك أن يقرأ الطالب الأحاديث التي هي من مرويات الشيخ، لا أن يقرأ ما شاء من الأحاديث،وذلك لأن الغاية من قراءة الطالب على الشيخ ، أن يسمعها الشيخ منه ليضبطها له .

(2) - *مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 30) والباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 15) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 9) والمختصر في أصول الحديث - (ج 1 / ص 6) والوجيز في ذكر المجاز والمجيز - (ج 1 / ص 1) والحد الفاصل - (ج 1 / ص 435) وقواعد التحديث للقاسمي - (ج 1 / ص 171) والكفاية في علم الرواية - (ج 1 / ص 302) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 425) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 298)

الإجَازة, وهي أضْرُب] تسعة, وذكرها المُصنِّف كابن الصَّلاح سَبْعة:

[الأوَّل: أن يُجيز مُعينًا لمُعيَّن, كأجزتكَ] أو أجزتكُم, أو أجزت فُلانا الفُلاني [البخاري, أو ما اشتملت عليه فهرستي] أي: جُملة عدد مَرْوياتي, قال صاحب «تثقيف اللِّسان» : الصَّواب أنَّها بالمُثَناة الفَوْقية, وقُوفًا وإدْمَاجًا, وربَّما وقفَ عليها بعضهم بالهاء وهو خطأ, قال: ومعناها جُمْلة العدد للكتب, لفظة فارسية.

[وهذا أعْلَى أضْرُبها] أي الإجَازة [المُجَرَّدة عن المُنَاولة, والصَّحيح الَّذي قالهُ الجمهور من الطَّوائف] أهل الحديث وغيرهم [واستقرَّ عليه العمل جَوَاز الرِّواية والعمل بها] .

وادَّعى أبو الوليد البَاجي وعِيَاض الإجماع عليها, وقصر أبو مروان الطبني الصحَّة عليها.

[وأبطَلَها جماعات من الطَّوائف] من المُحدِّثين كشُعبة - قال: لو جَازت الإجَازة لبَطَلت الرِّحلة - وإبراهيم الحَرْبي, وأبو نصر الوائلي, وأبي الشَّيخ الأصبهاني, والفقهاء, كالقاضي حُسَين, والمَاوردي, وأبي بكر الخَجَندي الشَّافعي, وأبي طاهر الدبَّاس الحَنَفي.

وعنهم أنَّ من قال لغيره: أجزتُ لكَ أن تروي عنِّي ما لم تَسْمع, فكأنَّه قال: أجزتُ لك أن تَكْذب عليَّ, لأنَّ الشَّرع لا يُبيح رِوَاية ما لم يَسْمع.

[وهو إحدى الرِّوايتين عن الشَّافعي] وحكاهُ الآمدي عن أبي حنيفة وأبي يُوسف, ونقله القاضي عبد الوهاب عن مالك.

وقال ابن حزم: إنَّها بدعة غير جائزة.

وقيل: إنَّ كان المُجيز والمُجَاز عالمين بالكتاب جَاز, وإلاَّ فلا, واختارهُ أبو بكر الرَّازي من الحَنفية.

[وقال بعض الظَّاهرية ومُتَابعيهم: لا يعمل بها] أي: بالمَرْوي بها [كالمُرْسل] مع جواز التحديث بها [وهذا باطل] لأنَّه ليس في الإجَازة ما يقدح في اتِّصال المنقول بها, وفي الثِّقة بها.

وعن الأوزاعي عكس ذلك, وهو العمل بها دون التحديث.

قال ابن الصَّلاح: وفي الاحتجاج لتجويزها غُموض, ويتجه أن يُقال: إذا جاز له أن يروي عنه مروياته, فقد أخبره بها جُمْلة, فهو كما لو أخبره بها تفصيلًا, وإخباره بها غير متوقف على التصريح قَطْعًا, كما في القِرَاءة, وإنَّما الغرض حُصُول الإفهام والفهم, وذلك حاصلٌ بالإجَازة المُفْهمة.

وقال الخطيب في «الكِفَاية» : احتجَّ بعض أهل العلم لجَوَازها بحديث: أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - كتبَ سُورة براءة في صحيفة, ودفعهَا لأبي بكر, ثمَّ بعثَ علي بن أبي طالب فأخذهَا منهُ ولم يقرأها عليه, ولا هو أيضًا حتَّى وصل إلى مَكَّة ففتحها وقرأهَا على النَّاس.

وقد أسندَ الرَّامهرمزي عن الشَّافعي: أنَّ الكرابيسي أراد أن يقرأ عليه كُتبه, فأبى وقال: خُذْ كُتب الزَّعفراني فانْسَخها, فقد أجزتُ لك, فأخذها إجَازة.

أمَّا الإجَازة المُقْترنة بالمُنَاولة فستأتي في القِسْم الرَّابع.

تنبيه:

إذا قُلنا بصحَّة الإجَازة, فالمُتبادر إلى الأذْهَان أنَّها دُون العرض, وهو الحق, وقد حكى الزَّركشي في ذلك مذاهب.

ثانيها - ونسبهُ لأحمد بن مَيْسرة المَالكي -: أنَّها على وجهها خير من السَّماع الرَّديء, قال: واخْتَار بعض المُحقِّقين تفضيل الإجَازة على السَّماع مُطْلقًا.

ثالثها: أنَّهما سَوَاء حكى ابن عات في «رَيْحَانة النَّفس» عن عبد الرَّحمن بن أحمد بن بَقِي بن مَخْلد أنَّه كان يَقُول: الإجَازة عِنْدي وعند أبي وجَدِّي كالسَّماع.

وقال الطُّوفي: الحق التَّفصيل, ففي عصر السَّلف السَّماع أولى, وأمَّا بعد أن دُوِّنت الدَّواوين, وجُمعت السُّنن واشتهرت, فلا فرق بينهما.

[الضَّرب الثَّاني: يُجيز مُعينا غيره] أي غير مُعين [كأجزتك] أو أخبرتكم جميع [مسموعاتي] أو مروياتي [فالخلاف فيه] أي في جَوَازها [أقوى وأكثر] من الضَّرب الأوَّل.

[والجمهُور من الطَّوائف جوزوا الرِّواية] بها [فأوجبوا العمل] بما رُوي بها بشرطه.

[الثَّالث: يُجيز غير مُعيَّن بوصْفِ العُموم كأجزت] جميع [المسلمين, أو كل أحد, أو أهل زماني, وفيه خلاف للمتأخِّرين, فإن قيَّدها] أي: الإجازة العامة [بوصف حاصر] كأجزتُ طَلَبة العِلْم ببلد كَذَا, أو من قرأ عليَّ قبل هذا [فأقرب إلى الجَوَاز] من غير المُقيدة بذلك.

بل قال القاضي عياض: ما أظنهم اختلفُوا في جواز ذلك, ولا رأيت منعه لأحد, لأنَّه محصور موصوف, كقوله: لأولاد فُلان, أو إخوة فُلان.

واحترز بقوله: حاصر, ما لا حصر فيه, كأهل بلد كذا, فهو كالعامة المُطْلقة.

وأفرد القَسْطلاني هذه بنوع مُستقل, ومثَّله بأهل بلد مُعيَّن, أو إقليم, أو مَذْهب مُعيَّن.

ومن المُجَوِّزين: القاضي أبو الطَّيب, والخطيب, وأبو عبد الله بن مَنْده, وابن عتَّاب, والحافظُ أبو العلاء, وآخرون.

[ومن المُجوِّزين] للعامة المُطلقة [القاضي أبو الطَّيب] الطَّبري [والخطيب] البغدادي [وأبو عبد الله بن مَنْده] وأبو عبد الله [ابن عتَّاب, والحافظ أبو العلاء] الحسن بن أحمد العطَّار الهمداني [وآخرون] كأبي الفضل بن خيرون, وأبي الوليد ابن رشد, والسَّلفي, وخلائق جمعهم بعضهم في مُجلد, ورتَّبهم على حروف المعجم لكثرتهم.

قال الشَّيخ: ولم نسمع عن أحَدٍ يُقْتدَى به الرِّواية بهذه.

قلتُ: الظَّاهر من كلام مُصحِّحها جَوَاز الرِّواية بهَا, وهذا مُقتضى صِحَّتها, وأيُّ فائدةٍ لهَا غيرُ الرِّواية بِهَا.

[قال الشَّيخ] ابن الصَّلاح ميلًا إلى المَنْع: [ولم نَسْمع عن أحد يُقتدى به الرِّواية بهذه] قال: والإجَازة في أصلها ضعيفة, وتَزْداد بهذا التَّوسع والاسْترسَال ضعفًا كثيرًا.

قال المُصنِّف [قلت: الظَّاهر من كلام مُصححها جَوَاز الرِّواية بها, وهذا مقتضى صحتها, وأي فائدة لها غير الرِّواية بها] وكذا صرَّح في «الرَّوضة» بتصحيح صحتها.

قال العِرَاقيُّ: وقد روى بها من المُتقدِّمين الحافظ أبو بكر بن خير, ومن المتأخِّرين الشرف الدمياطي وغيره.

وصحَّحها أيضًا ابن الحاجب, قال: وبالجملة ففي النَّفس من الرِّواية بها شيء, والأحْوط ترك الرِّواية بها, قال: إلاَّ المُقيَّدة بنوع حصر, فإنَّ الصَّحيح جَوَازها. انتهى.

وكذا قال شيخ الإسْلام في العَامة المُطْلقة قال: إلاَّ أنَّ الرِّواية بها في الجُمْلة أولى من إيْرَاد الحديث مُعْضلًا.

قال البَلْقيني: وما قيل من أنَّ أصل الإجَازة العامة ما ذكرهُ ابن سعد في «الطبقات» : حدَّثنا عفَّان, حدَّثنا حمَّاد, حدَّثنا علي بن زيد, عن أبي رافع, أنَّ عمر بن الخطَّاب قال: من أدركَ وفاتي من سبي العرب فهو حُر. ليس فيه دلالة, لأنَّ العتق النافذ لا يحتاج إلى ضبط, وتحديث, وعمل, بخلاف الإجَازة ففيها تحديث, وعمل, وضبط, فلا يصح أن يَكُون ذلك دليلًا لهذا, ولو جُعل دليله ما صحَّ من قول النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: «بَلِّغُوا عنِّي ...» الحديث, لكان له وجه قوي. انتهى.

[الرَّابع إجَازة] لمُعيَّن [بمجهول] من الكتب [أو] إجَازة بمعين من الكتب [له] أي لمجهول من النَّاس [كأجزتُكَ كتاب السُّنن, وهو يروي كُتبًا في السُّنن] أو أجزتك بعض مسموعاتي [أو أجزتُ محمَّد بن خالد الدِّمشقي, وهناك جماعة مُشتركون في هذا الاسم] ولا يتضح مُراده في المسألتين [فهي باطلة] فإن اتَّضح بقرينة فصحيحة.

[فإن أجَاز لجماعة مُسَمين في الإجازة أو غيرها, ولم يعرفهم بأعيانهم, ولا أنْسَابهم, ولا عددهم, ولا تصفحهم] وكذا إذا سمَّي المسؤول له ولم يعرف عينه [صحَّت الإجَازة كسماعهم منهُ في مَجْلسه في هذا الحال] أي: وهو لا يعرف أعيانهم, ولا أسْمَاءهم, ولا عددهم.

[وأمَّا أجزتُ لمن يشاء فُلان, أو نحو هذا ففيه جهالة وتعليق] بشرط, ولذلك أُدخل في ضرب الإجَازة المَجْهُولة.

والعِرَاقي أفردهُ, كالقَسْطلاني بضرب مُستقل, لأنَّ الإجَازة المُعلَّقة قد لا يكون فيها جَهَالة, كما سيأتي.

[فالأظْهر بُطْلانه] للجهل, كقوله: أجزتُ لبعض النَّاس [وبه قطعَ القَاضي أبو الطَّيب الشَّافعي] .

قال الخطيب: وحُجتهم القياس على تعليق الوكالة.

[وصحَّحه] أي: هذا الضَّرب من الإجَازة أبو يَعْلى [ابن الفَرَّاء الحنبلي, و] أبو الفضل محمد بن عُبيد الله [بن عمروس المَالكي] وقال: إنَّ الجَهَالة ترتفع عند وجُود المَشيئة ويتعيَّن المُجَاز له عندها.

قال الخَطِيب: وسمعتُ ابن الفَرَّاء يحتجُّ لذلكَ بقوله - صلى الله عليه وسلم - لمَّا أمَّر زيدًا على غزوة مُؤتة: «فإنْ قُتلَ زيدٌ, فجعفر, فإن قُتلَ جعفر فابنُ رَوَاحة» . فعلَّق التأمير.

قال: وسمعتُ أبا عبد الله الدَّامغاني يُفرِّق بينها وبين الوكَالة, بأن الوكيل يَنْعزل بعزل المُوكل له, بخلاف المُجَاز.

قال العِرَاقيُّ: وقد استعمل ذلك من المُتقدِّمين: الحافظ أبو بكر بن أبي خَيْثمة صاحب «التاريخ» وحفيد يعقُوب بن شيبة.

فإن عُلِّقت بمشيئة مُبهم, بطلت قطعًا.

ولو قال: أجَزتُ لمن يَشَاء الإجَازة, فهو كأجَزتُ لمن يَشَاء فُلانٌ, وأكثر جَهَالة, ولو قال: أجَزتُ لمن يَشَاء الرِّواية عنِّي, فأوْلَى بالجَوَاز, لأنَّه تصريحٌ بمُقْتضَى الحَالِ, ولو قال: أجَزتُ لفلان كذا إنْ شَاء روايتهُ عنِّي, أو لكَ إنْ شئتَ أو أحْبَبتَ, أو أردتَ فالأظْهر جَوَازه.

[ولو قال: أجزتُ لمن يشاء الإجازة, فهو كأجزتُ لمن يشاء فُلان] في البُطْلان, بل [وأكثر جهالة] وانتشارًا من حيث إنَّها مُعلَّقة بمشيئة من لا يحصر عددهم.

[ولو قال: أجزتُ لمن يشاء الرِّواية عنِّى, فأولى بالجَوَاز, لأنَّه تصريح بمُقتضى الحال] من حيث أنَّ مقتضى كل إجازة تفويض الرِّواية بها إلى مشيئة المُجَاز له, لا تعليق في الإجَازة, وقاسهُ ابن الصَّلاح على: بعتُكَ إن شئت.

قال العِرَاقي: لكن الفرق بينهما تعيين المُبْتاع, بخلافه في الإجَازة فإنَّه مُبْهم.

قال: والصَّحيح فيه عدم الصحة, قال: نعم وزانه هنا أجزتُ لك أن تروي عنِّي إن شئت الرِّواية عنِّي, قال: والأظهر الأقوى هُنَا الجَوَاز, لانتفاء الجَهَالة, وحقيقة التَّعليق. انتهى.

وكذا قال البَلْقيني في «محاسن الاصطلاح» وأيَّد البُطْلان في المسألة الأولى, ببطلان الوصية والوكالة فيما لو قال: وصَّيت بهذه لمن يشاء, أو وكلت في بيعها من شاء أن يبيعها. قال: وإذا بطلَ في الوصية, مع احتمالها ما لا يحتمله غيرها, فهنا أولى.

[ولو قال: أجزتُ لفلان كذا إن شَاء روايته عنِّي, أو لك, إن شئتَ, أو أحببتَ أو أردت, فالأظهر جَوَازه] كما تقدَّم.

[الخامس: الإجَازة للمعدوم, كأجزتُ لمن يُولد لفلان, واختلف المتأخِّرون في صحتها, فإن عطفهُ على موجود, كأجزتُ لفُلان ومن يُولد له, أو لك] ولولدك [ولعقبك ما تَنَاسلُوا, فأولَى بالجَوَاز] ممَّا إذا أفرده بالإجَازة, قياسًا على الوقف.

[وفعل الثَّاني من المُحدِّثين] الإمام [أبو بكر] عبد الله [بن أبي داود] السِّجستاني, فقال وقد سُئل الإجَازة: قد أجزت لكَ, ولأولادك, ولحبل الحبلة. يعني الَّذين لم يُولدوا بعد.

قال البَلْقيني: ويُحتمل أن يَكُون ذلك على سبيل المُبَالغة, وتأكيد الإجَازة, وصرَّح بتصحيح هذا القسم القَسْطلاني في «المنهج» .

[وأجَاز الخَطيب الأوَّل] أيضًا وألَّف فيها جُزءا, وقال: إنَّ أصحاب مالك وأبي حنيفة أجَازُوا الوقف على المعدُوم, وإن لم يكن أصله موجودًا.

قال: وإن قيلَ: كيف يصح أن يَقُول: أجَازني فُلان, ومولده بعد موته, يُقَال: كما يصح أن يقول: وقف على فُلان, ومولده بعد موته.

قال: ولأنَّ بُعد أحد الزَّمانين من الآخر, كبعد أحد الوطنين من الآخر.

[وحكاه] أي الصحَّة, فيما ذكر [عن ابن الفَرَّاء] الحنبلي [وابن عمرُوس] المالكي, ونسبه عياض لمُعظم الشيوخ.

[وأبْطَلها القَاضي أبو الطَّيب وابن الصَّباغ الشَّافعيان, وهو الصَّحيح الَّذي لا ينبغي غيره] لأنَّ الإجَازة في حُكم الإخبار جملة بالمُجَاز, فكما لا يصح الإخبار للمعدُوم, لا تصح الإجَازة له.

أمَّا إجَازة من يُوجد مُطلقًا, فلا يَجُوز إجْمَاعًا.

وأمَّا الإجَازة للطِّفل الَّذي لا يُمَيِّز, فَصحيحةٌ على الصَّحيح, الَّذي قطعَ به القَاضي أبو الطَّيب والخَطِيب خِلافًا لبعضهم.

[وأمَّا الإجَازة للطِّفل الَّذي لا يُميِّز فصحيحةٌ, على الصَّحيح, الَّذي قطعَ به القاضي أبو الطَّيب والخطيب] ولا يُعتبر فيه سِنٌّ ولا غيرهُ [خِلافًا لبعضهم] حيث قال: لا يصح, كما لا يصح سماعه, ولمَّا ذكر ذلك لأبي الطَّيب قال: يصح أن يُجيز للغائب, ولا يصح سماعهُ.

قال الخطيب: وعلى الجَوَاز كافة شُيوخنا, واحتجَّ له بأنَّها إبَاحة المُجيز, للمُجَاز له أن يروى عنه, والإباحة تصح للعاقل ولغيره.

قال ابن الصَّلاح: كأنَّهم رأوا الطِّفل أهلًا لتحمُّل هذا النَّوع, ليؤدي به بعد حُصول الأهلية, لبقاء الإسْنَاد, وأمَّا المُميِّز فلا خلاف في صحَّة الإجَازة له.

تنبيه:

أدمجَ المُصنِّف كابن الصَّلاح مَسْألة الطِّفل في ضرب الإجَازة للمعدُوم, وأفردهَا القَسْطلاني بنوع, وكذا العِرَاقي, وضمَّ إليها الإجَازة للمجنُون, والكافر, والحمل.

فأمَّا المجنُون فالإجَازة له صحيحة, وقد تقدَّم ذلك في كلام الخطيب.

وأمَّا الكافر فقال: لم أجد فيه نقلًا, وقد تقدَّم أنَّ سَماعهُ صحيح, قال: ولَمْ أجد عن أحد من المُتقدِّمين والمتأخِّرين الإجَازة للكافر, إلاَّ أنَّ شخصًا من الأطباء يُقَال له مُحمَّد بن عبد السَّيد, سمع الحديث في حال يهوديته على أبي عبد الله الصُّوري, وكتب اسمهُ في الطَّبقة مع السَّامعين, وأجَاز الصُّوري لهم, وهو من جُملتهم, وكان ذلك بحضُور المِزِّي, فلولا أنَّه يرى جَوَاز ذلك ما أقرَّ عليه, ثمَّ هدى الله هذا اليهودي إلى الإسْلام, وحدَّث وسمع منه أصحابنا.

قال: والفاسق والمُبْتدع أولى بالإجَازة من الكافر, ويؤديان إذا زالَ المانع.

قال: وأمَّا الحمل, فلم أجد فيه نقلًا, إلاَّ أنَّ الخَطِيب قال: لم نرهم أجَازُوا لمن لم يَكُن مولودًا في الحال, ولم يتعرَّض لكونه إذَا وقع يصح أولا.

قال: ولا شكَّ أنَّه أوْلَى بالصحَّة من المعدُوم.

قال: وقد رأيتُ شيخنَا العلائي سُئل لحمل مع أبويه فأجَاز, واحترز أبو الثناء المِنْبجي, فكتبَ أجزتُ للمُسْلمين فيه.

قال: ومن عَمَّم الإجَازة للحمل وغيره أعلم وأحفظ وأتقن, إلاَّ أنَّه قد يُقَال لعلَّه ما تصفح أسماء الاسْتدعاء حتَّى يعلم هل فيه حمل أم لا, إلاَّ أنَّ الغَالب أنَّ أهل الحديث لا يُجيزون إلاَّ بعد تصفحهم.

قال: ويَنْبغي بناء الحُكْم فيه على الخِلاف في أنَّ الحمل هل يُعلم أو لا؟ فإن قُلنا يُعلم وهو الأصح صحَّت الإجَازة له, وإن قُلنا لا يُعلم, فيَكُون كالإجَازة للمعدُوم. انتهى.

وذكر ولدهُ الحافظ ولي الدِّين أبو زُرْعة في فَتَاويه المَكية, وهي أجْوبة أسئلة, سألهُ عنها الحافظ أبو الفَضْل الهَاشمي أنَّ الجَوَاز فيما بعد نفخ الرُّوح أوْلَى, وأنَّها قبل نفخ الرُّوح مُرتبة مُتوسطة بينها وبين الإجَازة للمعدُوم, فهي أوْلَى بالمَنْع من الأولى وبالجَوَاز من الثَّانية.

[السَّادس: إجَازة ما لم يتحمَّله المُجيز بوجه] من سماع أو إجازة [ليرويهُ المُجَاز] له [إذا تحمَّله المُجيز, قال القاضي عياض] في كتابه «الإلماع» : هذا [لم أر من تكلَّم فيه] من المشايخ.

قال: [ورأيتُ بعض المتأخِّرين] والعصريين [يصنعونه, ثمَّ حكى عن قاضي قُرطبة أبي الوَليد] يُونس بن مغيث [منع ذلك] لما سأله وقال: يُعطيك ما لم يأخذ؟ هذا مُحَال.

[قال عياض: و] هذا [هو الصَّحيح] فإنَّه يُجيز ما لا خبر عنده منه, ويأذن له بالتَّحديث بما لم يحدث به, ويُبيح ما لم يعلم هل يصح له الإذن فيه.

قال المُصنِّف: [وهذا هو الصَّواب] .

قال ابن الصَّلاح: وسَواء قُلنا: إنَّ الإجَازة في حُكم الإخبار بالمُجَاز جُملة أو إذن, إذ لا يُجيز بما لا خبر عندهُ منهُ, ولا يُؤذن فيما لم يملكهُ الآذن بعد, كالإذن في بَيْع ما لم يملكه, وكذا قال القَسْطلاني: الأصح البُطْلان, فإنَّ ما رواهُ داخلٌ في دائرة حصر العلم بأصله, بخلاف ما لم يروه, فإنَّه لم يَنْحصر.

فَعَلَى هذا يَتعيَّنُ على من أرادَ أنْ يروي عن شيخٍ أجَاز له جميع مَسْمُوعاته أن يبحثَ حتَّى يعلم أنَّ هَذَا مِمَّا تحمَّلهُ شيخهُ قبل الإجَازة, وأمَّا قولُهُ: أجزتُ لكَ ما صحَّ, أو يصح عندكَ من مَسْمُوعَاتي, فصحيحٌ تَجُوزُ الرِّواية به لِمَا صحَّ عندهُ سماعُهُ له قبل الإجَازة, وفعلهُ الدَّارقُطني وغيرهُ.

[وأمَّا قوله: أجزتُ لك ما صحَّ, أو يصح عندكَ من مسموعاتي, فصحيحٌ تجوز الرِّواية به, لما صحَّ عنده] بعد الإجَازة [سماعهُ له قبل الإجَازة, وفعله الدَّارقُطْني وغيره] .

قال العِرَاقي: وكذا لو لم يَقُل ويصح, فإنَّ المُرَاد بقوله: ما صحَّ حال الرِّواية, لا الإجَازة.

[السَّابع: إجَازة المُجَاز, كأجزتك مُجَازاتي] أو جميع ما أجيز روايته [فمنعهُ بعض من لا يعتد به] وهو الحافظ أبو البركات عبد الوهَّاب بن المُبَارك الأنْمَاطي شيخ ابن الجَوْزي, وصنَّف في ذلك جُزءًا, لأنَّ الإجَازة ضعيفة فيقوَّى الضعف باجتماع إجَازتين.

[والصَّحيح الَّذي عليه العمل جَوَازه, وبه قطع الحُفَّاظ] أبو الحسن [الدَّارقُطْني و] أبو العَّباس [ابن عُقْدة, وأبو نُعيم] الأصْبَهاني [وأبو الفتح نصر المَقْدسي] وفعله الحاكم, وادَّعى ابن طاهر الاتِّفاق عليه.

وكان [أبو الفتح] نصر المَقْدسي [يروي بالإجَازة عن الإجَازة, وربَّما والَى بين ثلاث] إجَازات, وكذلك الحافظ أبو الفتح بن أبي الفَوَارس, والَى بين ثلاث إجَازات, ووالَى الرَّافعي في أمَاليه بين أرْبع أجَائز, والحافظ قُطْب الدِّين الحَلَبي بين خَمْس أجَائز في «تاريخ مصر» وشيخ الإسْلام في أماليه بين ست.

[وينبغي للرَّاوي بها] أي بالإجَازة عن الإجَازة [تأمُّلها] أي تأمَّل كيفية إجَازة شيخ شيخه لشيخه, ومُقْتضَاها [لئلا يروي] بها [ما لم يدخُل تحتها] فربَّما قيَّدها بعضهم بما صحَّ عند المُجَاز لهُ أو بما سمعهُ المُجِيز ونحو ذلك.

[فإن كانت إجَازةُ شيخ شيخه: أجزتُ له ما صحَّ عنده من سَمَاعي, فرأى سماع شيخ شيخه, فليس له روايته عن شيخه عنهُ, حتَّى يعرف أنَّه صحَّ عند شيخه, كونه من مسموعات شيخه] وكذا إن قيَّدها بما سمعهُ لم يعتد إلى مُجَازاته وقد زلَّ غير واحد من الأئمة بسبب ذلك.

قال العِرَاقي: وكان ابن دقيق العيد لا يُجيز رِوَاية سماعه كله, بل يُقيده بما حدَّث به من مَسْموعاته, هكذا رأيتهُ بخطِّه, ولم أر له إجَازة تَشْتمل مسموعه, وذلك أنَّه كان شك في بعض سَمَاعاته, فلم يُحدِّث به ولم يُجزه, وهو سَمَاعه على ابن المُقير, فمن حدَّث عنهُ بإجَازته منهُ بشيء مِمَّا حدَّث به من مَسْمُوعاته فهو غير صحيح.

قلتُ: لكنَّه كان يُجيز مع ذلكَ جميع ما أُجيز له, كما رأيتهُ بخط أبي حيَّان في النضار, فعلَى هذا لا تتقيَّد الرِّواية عنهُ بما حدَّث به من مَسْمُوعاته فقط, إذ يدخل الباقي فيما أُجيز له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت