وكانت الأوضاع الاجتماعية في معظم أجزاء أوروبا آنذاك تسير على قاعدة الحق الإلهي، حيث كان الشعب ضحية لظلم السلطة الإكليركية وقوة الإقطاع، مما دفع بمفكر مثل مونتسكيو إلى الاهتمام بالبحوث الحقوقية والموضوعية التي تحدد علاقة الحاكم بالمحكوم، حيث جعل من كتابه روح القانون مرجعا مهمًا في أصول التشريع. كما دفع ذلك بمفكر فرنسي آخر هو جان جاك روسو إلى إصدار كتاب العقد الاجتماعي، الذي نادى بضرورة إحداث تغيرات سياسية واجتماعية في النظام القائم، مشيرا إلى أن العلاقات بين الحاكم والمحكوم يجب أن تقوم على أساس تعاقد موضوعي بين المواطن والحاكم، وأن ذلك هو السبيل الوحيد لتحرير الإنسان.
وفي تلك الحقبة أيضا، تألق نجم أديب وفيلسوف آخر هو فولتير (1694 ـ 1788م) الذي لم يكتف بالدعوة للتغير بقلمه، بل ساهم بشكل مباشر في تحريض العامة وتعبئتها، مهاجما الكنيسة، ومعلنًا حربا لا هوادة فيها ضد التصلب والعنصرية.
لقد وجدت فلسفة مونتسكيو وأفكار هوجو وتحريض فولتير في فرنسا أرضا خصبة للتغير، فوضعت بذورها فيها، داعية إلى التمرد والثورة. وكانت الطبقة الصناعية الصاعدة تعزز من قوتها، وتتوسع في مؤسساتها وتنظيماتها رافعة شعار الحرية والإخاء والمساواة، باذلة الوعود بخلق مجتمع سعيد، وغد مشرق لكل البشر، حتى إذا حل الرابع عشر من يوليو 1789م انقضت الآلاف من الجياع والمسحوقين من أبناء الشعب الفرنسي على سجن الباستيل رمز الطغيان والفساد. فكان أن انتصرت الثورة الفرنسية وهزم نظام الإقطاع.
وبانتصار الثورة الفرنسية تحددت بشكل أوسع المفاهيم الليبرالية، فالأمة وحدها مصدر السلطات، والناس يولدون أحرارا متساوين في الحقوق. وقد ضمن الدستور الفرنسي الذي صدر بعد الثورة حرية الاعتقاد الديني وحرية الكلام والتعبير. كما أكد أن الملكية الفردية مقدسة لا يجوز انتزاعها إلا إذا قضت المصلحة العامة بذلك ولقاء تعويضات مالية.