وهكذا فقد وصلت طبقة أرباب المال إلى الحكم في كل من بريطانيا وفرنسا. وكانت أمريكا الشمالية قد استطاعت انتزاع استقلالها من إنجلترا مكونة دولة حديثة هي الولايات المتحدة الأمريكية قبل اندلاع الثورة الفرنسية بفترة وجيزة (1776م) ، مؤكدة على نفس المبادئ التي بشّر بها روسو وفولتير ومونتسكيو. وقد أكدت البنود الرئيسية للدستور الأمريكي في معظمها على المبادئ والأهداف التي حملتها وعبرت عنها الثورة الفرنسية فيما بعد.
وكما طرحت المتغيرات الرئيسية التي حدثت أثناء الحضارة اليونانية تساؤلات وجدَلًا فلسفيًا حول كنه الوجود، وتفسير الظواهر والمتغيرات التي تجري في هذا الكون، فإن الانتصارات العلمية، والاكتشافات الجغرافية، والثورات الاجتماعية قد ساهمت هي الأخرى مجتمعة في طرح موضوع التغير الاجتماعي بجدة أكثر، وبطروحات متباينة ومتناقضة.
فقد وجد الفيلسوف الألماني لايبنيز أن التقدم الإنساني يتم وفق مراحل ضرورية، وأن الطبيعة لا تقفز فوق المراحل أبدا. وجاء بعده إيمانويل كانط فاعتبر أن التاريخ الإنساني يسير بثبات ولكن ببطء إلى الأمام.
كانت المهمة الأساسية لطبقة أرباب المال الصاعدة بعد وصولها إلى الحكم هي إحكام قبضتها على المجتمع الجديد الذي ربط مصيره بها، وتعميم مناهجها وعقائدها الفلسفية والاقتصادية، وجاء آدم سميث (1723 ـ 1790م) بكتابه ثروة الشعوب ليحدد الإطار الفلسفي الاقتصادي لمنهج هذه الطبقة، معتبرا أن الوسيلة الأساسية لزيادة الإنتاج تكمن في تقسيم العمل واستخدام الآلات الميكانيكية. إلا أن تحقيق درجة عليا من التخصص هي رهن باتساع السوق، وذلك لأن المقادير الكبيرة من مادة منتجة لا يمكن بيعها في مجتمع صغير أو ذي صبغة محلية محدودة.