لقد اعتقد كثير من قادة بلدان العالم الثالث أنهم بتبنيهم للنموذج الغربي في التنمية فإنهم سيتغلبون على حالة التخلف الراهنة التي تعانيها بلدانهم وبأنهم سيستطيعون نقل مجتمعاتهم التقليدية إلى مرحلة أكثر تطورًا وتقدمًا. ولربما تبادر إلى أذهانهم أنهم بذلك سيكونون قادرين على أن يصبحوا في فترة قياسية قصيرة جدًا في عداد الدول الصناعية المتقدمة، وأنهم بعد ذلك سيكونون قادرين على المنافسة في الأسواق العالمية بمنتجاتهم.
وفات أولئك القادة، الذين اندفعوا إلى تقليد النموذج الغربي في التنمية أن يدركوا أن مرحلتهم مغايرة كلية من حيث طبيعتها وطريقة تكوينها عن تلك المرحلة التي تكون فيها النظام الرأسمالي الأوروبي. ذلك أن طبقة الصناع الأوروبية في مراحلها الأولى كانت تتنافس مع الإقطاع من جهة، والحرفية البدائية من جهة أخرى. وكان مسار الحركة التاريخية ينبئ بأفول نجم مرحلة الإقطاع. فالانتصارات العلمية التي حققها الإنسان، وفي مقدمتها اكتشاف الخلية الحية وتولد الطاقة وقانون الجاذبية ونظريات النشوء، وقيام حركة الإصلاح الديني البروتستانتية، وانتصار الثورتين الإنجليزية والفرنسية، واشتعال الثورات في جميع أنحاء أوروبا، كانت جميعها إيذانًا بأن فجرًا جديدًا للإنسانية قد بزغ، وأن مرحلة الإقطاع في أوروبا قد تهاوت مفسحة المجال لطبقة فتية أخرى لكي تأخذ مكانها في مسيرة التاريخ الإنساني، تلك هي طبقة أرباب الصناعة وأصحاب المال.
أما في العالم الثالث، فإن دعائم النظام الاجتماعي القديم لازالت قائمة، فالعلاقات الطبقية لازالت هي السائدة في عموم البلدان المتخلفة. والطبقة البرجوازية التي نشأت في أحضان الاحتلال الغربي لم تؤثر إيجابًا في تطوير العملية الإنتاجية، بل اقتصر فعلها على دور الوسيط بين أصحاب المصانع في أوروبا والمستهلكين في بلدان العالم الثالث.