أما المفكر البرازيلي دوس فقد عرَّف التخلف الراهن على أنه الحالة التي يكون فيها اقتصاد بلد ما متأثرًا وتابعًا لحالة اقتصاد بلد آخر بحيث يكون الأول ضحية للنمو الاقتصادي في الثاني، وتكون العلاقة بينهما غير متكافئة، فيستطيع القوي التأثير على الضعيف.
تلك كانت خلاصة سريعة جدًا لآراء أهم المدارس التي اهتمت بدراسة موضوع التنمية في العالم الثالث، المعروفة الآن في العلوم السياسية والاجتماعية بنظرية التبعية ونظرية التطور اللامتكافئ.
وبالإمكان، من خلال هذه القراءة السريعة أن نسجل أن هذه المدارس قد استطاعت أن تقدم تصورًا أعمق وأكثر دراية لطبيعة المشاكل التي تواجه العملية التنموية في البلدان المتخلفة، يمكن تلخيصه في أن هذه المدارس عالجت موضوع الاقتصاد في البلدان المتخلفة ليس كوحدة مستقلة وإنما عن طريق ربطه بالنظام العالمي، داحضة النظرية القديمة للعلاقات الدولية القائلة بتجانس وتكافؤ العلاقات بين الدول، وأن الصراع بينها هو أشبه بصراع بين فريقي كرة قدم، حيث يمتلك كل فريق أدواته واستراتيجيته الخاصة، دون النظر بعمق إلى أن هذا التنافس هو منذ البدء تنافسًا غير متكافئ.
كما غيرت هذه النظريات من طبيعة الفهم السائد سابقًا عن العلاقة بين البلدان الصناعية المتقدمة والبلدان المتخلفة من علاقة توافق وانسجام وتكامل، إلى اضطهاد وصراع وقسر، كمحركات أساسية في الاقتصاد السياسي، مشيرة إلى الإمبريالية كمرحلة عصيبة ومقيدة لانطلاق التنمية في بلدان العالم الثالث.
ومن جهة أخرى أثبتت نظريتا التبعية والتطور اللامتكافئ بالتحليل وعن طريق الدراسة العلمية أن ثبوت نظرية اقتصادية أو برنامج عمل تنموي في بلد ما ولحقبة تاريخية محددة، لا يعني بالضرورة إمكانية نقل هذه النظرية أو هذا البرنامج إلى بلد آخر أو مرحلة مغايرة. فما هو صالح الآن قد لا يصلح للغد، وما يمكن تطبيقه في هذا البلد قد لا يمكن تطبيقه في البلد الآخر.