استحلَّ دماءهما، فأما أحدهما فصدّقه ولم يكتمه، وأما كنانة وهو زوج صفية، فكتمه مسك الجمل، وكان فيه حلي كثير، كان بعيره من غطفان، ويرتهن به الرهان، فقال: يا كنانة، إنك قد أعطيتني ألا تكتمني شيئًا، قال: أجل، قال: فأين مسك الجمل؟ قال: ما كتمتك شيئًا، فأتاه جبريل - عليه السلام - فأخبره بمكانه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأصحابه: اذهبوا فإنه في مكان كذا وكذا، فلما أتى به أمر بهما، فضربت أعناقهما.
وقال لبلال: خذ بيد صفية، فأخذ بيدها، فمرّ بها بين القتيلين، فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى رؤي في وجهه، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلّم فدخل عليها، فنزعت شيئًا كانت عليه جالسة، فألقته لرسول الله صلى الله عليه وسلّم ثم خيَّرها بين أن يعتقها فترجع إلى من بقي من أهلها، أو تسلم فيتخذها لنفسه، فقالت: أختارُ الله ورسوله. فلما قالت ذلك، نادى رسول الله صلى الله عليه وسلّم الناس أن انصرفوا عن أمكم، فلما كان عشية زواجه أحقب بعيره، ثم خرجت معه تمشي حتى ثنى لها ركبته صلى الله عليه وسلّم على فخذه، فأجلَّت رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن تضع قدمها على فخذه، فوضعت ركبتها على فخذه، فركبت، ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلّم فألقى عليها كساء، ثم سارا.
وقال المسلمون حجبها رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى إذا كان على ستة أميال من خيبر مال يريد أن يعرّس بها، فأبت صفية، فوجد النبي صلى الله عليه وسلّم عليها في نفسه، فلما كان بالصهباء مال إلى دومة هناك، فطاوعته، فقال لها: ما حملك على إبائك حين أردتُ المنزل الأول؟ قالت: يا رسول الله، خشيت عليك قرب اليهود. فأعرس بها رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالصهباء، واغتسل بالقصيبة على رأس ستة أميال، قال: وبات أبو أيوب ليلة يحرس رسول الله صلى الله عليه وسلّم يدور حول خباء رسول الله صلى الله عليه وسلّم فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلّم الوطء، قال: من هذا؟ قال: أنا خالد بن زيد، فرجع إليه رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقال له: ما لك؟ قال: ما نمت هذه الليلة مخافة هذه الجارية عليك. فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلّم فرجع».