فغلب عليها هذا الاسم، وتكنى أم جعفر وأمة العزيز، وليس في بنات هاشم عباسية ولدت خليفة إلا هي، وكانت معروفة بالخير والأفضال على العلماء والفقراء، ولها آثار كثيرة في طريق مكة والحرمين الشريفين، وساقت الماء من أميال حتى أوصلته بين الحل والحرم، ووقفت أموالها على عمارة الحرمين، وحجت، فبلغت نفقتها أربعة وخمسين ألف ألف.
وقالت للمأمون عند دخوله بغداد: أهنيك بخلافة قد هنأت نفسي بها عنك قبل أن أراك، ولئن كنت قد فقدت ابنًا خليفة لقد عوضت ابنًا خليفة لم ألده، وما خسر من اعتاض مثلك ولا ثكلت أم ملأت يدها منك، وأنا أسأل الله أجرًا على ما أخذ، وإمتاعًا بما عوض. فقال المأمون: ما تلد النساء مثل هذه، وماذا أبقت في هذا الكلام لبلغاء الرجال؟.
أمها أم ولد، اسمها مكنونة، اشتُريت للمهدي بمائة ألف درهم، فولدت عليّة، وكانت من أجمل النساء، وأظرفهن، وأكملهن عقلًا وأدبًا ونزاهة وصيانة وظرفًا، وكان في جبهتها سعة تشين، فاتخذت العصابة المكللة بالجوهر، لتستر بها جبينها، وهي أول من اتخذها.
وكانت كثيرة الصلاة، ملازمة للمحراب، وقراءة القرآن.
وكانت تتزيَّن وتقول: ما حرم الله شيئًا إلا وقد جعل فيما أحل عوضًا منه، فبماذا يحتجّ العاصي؟ وكانت تقول: اللهم لا تغفر لي حرامًا أتيته، ولا استفزني لهو إلا ذكرت نسبي من رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقصرت عنه، ولها شعر مليح مثل قولها:
كتَمْتُ اسمَ الحبيبِ عن العبادِ ... وردَّدُت الصَّبابةَ في فؤادي
فَوا شَوقي إلى بلدٍ خليَ ... لعلي باسمِ مَن أهْوَى أُنادي