فما تفطر حتى تمسي، وإذا جاء الليل قالت: هذه ليلتي التي أموت فيها، فما تنام حتى تصبح، وإذا جاء البرد لبست الثياب الرقاق حتى يمنعها البرد من النوم، وكانت تصلي كل يوم وليلة ستمائة ركعة، وتقول: عجبت لعين تنام، وقد عرفت طول الرقاد في ظلم القبور، ولم ترفع رأسها إلى السماء أربعين سنة، وقتل زوجها وابنها في غزاة، فاجتمع النساء عندها، فقالت: مرحبًا، من جاءت تهنيني فمرحبًا، ومن جاء لغير ذلك فلترجع.
وكانت حفصة بنت سيرين قد قرأت القرآن، وهي ابنة اثنتي عشرة سنة، وماتت وهي بنت تسعين سنة، ومكثت في مصلاها ثلاثين سنة لا تخرج إلا لحاجة، وكانت جاريتها تقول: أذنبت سيدتي ذنبًا عظيمًا، فهي الليل تبكي كله وتصلّي، وكانت تصوم الدهر، وتقرأ القرآن في يومين، وربما طفيت سراجها، فأضاء لها البيت حتى تصبح.
قد بلغت ثمانين سنة كأنها الشن البالي، وكان في بيتها كراخة بواري ومشجب قصب عليه أكفانها، فإذا ذكرت الموت ارتعدت، وكان سفيان يقول: مُرُّوا بنا إلى المؤدبة. فدخل عليها يومًا فقال: واحزناه فقالت: قل وا قلّة حزناه لو كنت محزنًا ما هنَّاك العيش، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم مضى بعضك. وكانت تصلي الليل كله، فإذا أضاء الفجر هجعت يسيرًا،