زمانك ويوشك أن يخرج بك عن طورك؟)
قلت: (يا أخي إني شاكر لك - وأنت تعلم صدقي - هذه العناية بالاطمئنان على، ولكنى لو أفضيت إليك بهذا السر لما بقيت له لذة تخفف آلمه. انتظر حتى يفتر كل شيء - الألم واللذة جميعًا - فلا يعدو الكلام حينئذ أن يكون حديثًا عن شيء مضى ولا يكاد يعنيني)
فهز رأسه ومضى عنى إلى الفتاتين.
وظللت طوال النهار أضحك وألعب وأثب وأجري وآكل وأشرب وأرسلت نفسي على سجيتها - وإن كان ينقضي أن أعرف أن الخفة من سجاياي - وخلعت ثوب الاحتشام ورحت أكلم من لا أعرف وادعوا إلى طعامنا كل من يمر بنا - رجلًا كان أو امرأة أو طفلًا - وأبدأ بالحديث من لم أر وجهه إلا في ذلك اليوم، وأخطف الكرة ممن يتقاذفونها، وأجر رجلَ هذا، وأشد أذنَ ذاك، وأفعل ما يفعل الأطفال عادة إذا شجعتهم فأنسوا منك الارتياح إلى عبثهم، حتى ضج صاحبي وضاق صدره ولم يعد يطيق هذا الخلق العظيم الذي حف بنا واندمج فينا وشاركني وشاركته في اللعب والضحك والجري. فركبنا زورقًا صغيرًا؛ لكن هذا لم ينجه ولم يمنع أن أمضى فيما وطنت النفس عليه في ذلك اليوم، فقد كان هناك زوارق أخرى فصرت أدنو بالقارب منها حتى أحاذيها، ثم أروح أعابث من فيها، فنفذ صبر صديقي وأمر النوتي أن ينأى بنا عن الخلق جميعًا فاستلقيت على ظهري وأغمضت عيني تظاهرت بالنوم.
ولكنى لم أنم، وإنما كنت أحدث نفسي وأسألها عن جدوى هذا الذي صنعت؟ أتراه أنساني شيئًا أو أذهلني عما بي؟؟ ولم يسعني إلا أن أعترف بأن كل ما صنعت كان عبثًا. فقد كانت ذات الثوب الأرجواني ماثلة أبدًا أمام ناظري لا تبرحه ولا تفتر صورتها التي تلازمني، وكنت أراها في كل من أرى ما تأخذه العين، فأنا حين أنظر إلى واحدة من هاتين الفتاتين لا أراها وإنما أرى ذات الثوب الأرجواني، ويفتنني منظر فأقول لمن معي: (انظروا. . . ما أبدع هذا) ويكون الذي يفتنني منه ذات الثوب الأرجواني التي تبدو لي في إطار من هذا المنظر. ولما ركبنا الزورق كان يخيل إلى أنها سابحة في الماء كعرائس البحر، وما سمعت ضحكة ناعمة إلا قلت لنفسي لعل ضحكتها أرق وأسحر.
وأعجب من هذا أنى كنت أجدني وأنا أضاحك الناس وأحدثهم وألاعبهم وأسابقهم أفكر فيها